٤٠وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠). ذكر المشارق والمغارب: ذكر السماوات والأرض، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات وأهل الأرض، فيكون معناه: فلا أقسم برب الخلائق أجمع، ويكون حرف " لا " زائدًا في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر، فيكون معناه: فلا أقسم. ثم حق هذا القسم أن يقول مكان قوله: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}: " فلا أقسم بي " إذا كان القسم من اللّه تعالى، هذا هو ظاهر الكلام، في متعارف اللسان، ولكن يحتمل هذا وجوها: أحدها: أن يكون هذا القسم من النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كأنه علمه أن يقسم به ويقول له: قل يا مُحَمَّد: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}. وإن كان هذا قسما من اللّه تعالى فهو مستقيم - أيضا - من وجهين: أحدهما: على الإضمار؛ كأنه قال: فلا أقسم بي؛ فأنا رب المشارق والمغارب. والثاني: وإن كان هذا القسم من اللّه تعالى يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم بلفظ الحاضر؛ لأن الخلق كله للّه شهود، وليس هو شاهدًا للخلق، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا مستعمل في متعارف اللسان، واللّه أعلم. وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضين ومدبرهما واحد؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان لملك السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع إلى أهل الأرض، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء عن الإغراب في الأرض. ثم الذي يشرق ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا لم يقع فيه تغيير ولا تبديل، ولو كان للّه تعالى فيه شريك لكان لا بد من وقوع التغيير فيها؛ فثبت أن تدبير السماوات والأرضين وتدبير سلطانهما راجع إلى الواحد. |
﴿ ٤٠ ﴾