٤٣وقوله تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا ... (٤٣) يخبر أنهم يخرجون من الأجداث، وهي القبور سراعًا إلى الداعي، والذي يحملهم على الإسراع هو أن أنفسهم أبت إجابة الداعي في الدنيا؛ فنزل بهم الهلاك بتركهم الإجابة، فيسارعون في ذلك اليوم إلى إجابة الداعي؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب الذي حق عليهم بترك الإجابة، وذلك لا ينفعهم وإن وجدت منهم التوبة والرجوع عن تلك الإجابة؛ لأن ذلك اليوم ليس بيوم ينفع فيه الندامة والتوبة، وإنَّمَا هو يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت؛ وهذا كقوله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللّه وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ}، فأخبر أنهم يفزعون إلى الإيمان باللّه تعالى لما أيقنوا أنهم إنما حل بهم البأس بإعراضهم عن الإيمان، ففزعوا عند إيقانهم بالعذاب إلى الإيمان؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فلم ينفعهم ذلك ولم يغنهم من عذاب اللّه شيء؛ إذ ذلك الوقت ليس بوقت قبول التوبة، فيكون هذا تحريضا بالإسراع إلى إجابة الداعي والإيمان بما يدعو إليه قبل أن يؤمنوا إيمانا لا ينفعهم، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}. قرئ بنصب النون، وجزم الصاد، وهو اسم العلامة كالغرض وأشباهه. وقرئ بضم النون والصاد، وهو اسم الصنم. فإن كان على العلامة، فمعناه: أنهم يسارعون في ذلك الوقت إلى إجابة الداعي مسارعة من يسارع في هذه الدنيا إلى الغرض والعلامة المنصوبة؛ كذا قاله بعض أهل التأويل. وذكر عن الكلبي {إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}: إلى علم يسعون. وقال قتادة: إلى علم يستبقون. وعن مجاهد: إلى علم ينطلقون. فإن كان على الثاني، فمعناه: أنهم يسرعون إلى إجابة الداعي في ذلك؛ كسرعتهم إلى عبادة النصب عند خوفهم فوت عبادتها وعند اجتماع عبادها عندها لو يبتدرون نصبهم حتى يستلموها. ومنهم من ذكر أن النصب برفع النون والصاد هي الأغراض التي يسبقون إليها، ومن تأول هذا فهو يجعل النُصُب هاهنا جمع النَّصْب. وقوله: {يُوفِضُونَ} أي: يسرعون. وقال الحسن: أي: يرملون، وهما واحد؛ لأن الإسراع في الرمل موجود. |
﴿ ٤٣ ﴾