٢٣وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا}: قيل: فرقنا عليك القرآن تفريقا، والحكمة في التفريق ما ذكر في آية أخرى في القرآن، وهو قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}، فأخبر أن في التفريق تثبيتا؛ فيكون الناس له أوعى وأعرف بمواقع النوازل منه من أن ينزل جملة واحدة. ثم أضاف التنزيل إلى نفسه هاهنا، وأضاف إلى جبريل - عليه السلام - في قوله - عز وجل -: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، وقال في آية أخرى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّه}، فأضافه إلى نفسه، وقال: {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}. فهذا كله على مجاز الكلام ليس على الحقيقة؛ فحق كل من ذلك أن يصرف إلى ما إليه أوجه، وإلى ما يستجيز الناس من التعامل فيما بينهم بذلك الكلام، فإذا قيل: هذا في اللوح، فهم به، وأريد منه: أنه مكتوب فيه، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّه}، معناه: حتى يسمع كلاما يدله على كلام اللّه تعالى لا أن يكون ذلك كلامه. وأضافه إلى جبريل - عليه السلام - لأنه من فيه تلقاه، لا أن يكون ذلك كلام جبريل، عليه السلام. ثم قد ذكرنا الحكمة في إنزال القرآن مفرقا قبل هذا الفصل الكافي منه. ثم جائز أن يكون التفريق؛ لمكان أتباع رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ليس لمكانه؛ لأن اللّه - تعالى - يسر على نبيه حفظه؛ حتى كان يعي جميع ما ينزل إليه جبريل - عليه السلام - بما يقرؤه عليه مرة واحدة. وقيل له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} الآية؛ فضمن له الحفظ؛ فأمن النسيان، فأما غيره فإنه يشتد عليه أن لو كلفه حفظه بدفعة واحدة؛ فأنزل مفرقا، ليكونوا أقدر على حفظه؛ ولهذا ما كثر حفاظ القرآن في هذه الأمة، وكثر قراؤها، وكثر فقهاء هذه الأمة؛ لأن القرآن أنزل مفرقا على أثر النوازل؛ فعرفوا مواقع النوازل؛ فوقفوا على معرفة ما أودع في الآيات؛ لمعرفتهم مواقع النوازل والمنسوخ، ولو نزل جملة واحدة اشتبه عليهم الناسخ والمنسوخ؛ فأنزله اللّه - تعالى - مفرقا؛ ليكونوا بعلم الناسخ والمنسوخ واللّه أعلم. ولأنه إذا أنزل مفرقا، كانوا إليه أشوق، وأرغب منه إذا أنزل جملة واحدة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ. . .} الآية، فأخبر أنهم يرغبون إلى أن تنزل عليهم سورة، وإن كانوا قد أنزلت إليهم سُورَة من قبل. وفيه - أيضا - تخويف للمنافقين؛ كما قال اللّه - تعالى: - {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ}؛ فكان في إنزاله مفرقا ما ذكرنا من الفوائد والمنافع للمؤمنين، واللّه أعلم. |
﴿ ٢٣ ﴾