٦

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} يحتمل: عن ربك؛ فيكون تأويله: أي شيء غرك عن ربك الكريم؛ حتى اغتررت به؟! واغتراره عن ربه الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع " عن "؛ قال اللّه - تعالى -: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّه}، ومعناها: يشرب عنها، لا أن يشربوا فيها كرعا، أو تجعل العين آنية لهم.

ثم وجه الجواب للمغتر باللّه - تعالى - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} هو أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي؛ لأنه لم يأخذه بالعقوبة وقت

جريرته، فتجاوزه عنه أو تأخيره العقوبة، حَمَله على الاغترار؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا كذلك؛ فأقدم عليها، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه المعصية، لكان لا يتعاطى المعاصي، ولا يرتكبها، فعذره أن يقول: الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي، كما قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - حين تلا هذه الآية: " الحمق يا رب.

أو يكون قوله: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} أي: أي شيء غرك حتى ادعيت على اللّه تعالى أنه أمرك باتباع آبائك؟! أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن اللّه تعالى أمرك به؛ على ما قال: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّه أَمَرَنَا بِهَا}، ألم أبعث إليك الرسول؟! ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه؟!.

وقيل: نزلت الآية في شأن كلدة؛ حيث ضرب النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فلم يعاقبه اللّه - تعالى - فأسلم حمزة حمية لقومه؛ فَهَمَّ كلدة أن يضربه ثانية؛ فنزلت الآية: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} حيث لم يهلكك عند تناولك رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.

لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء، واللّه أعلم.

﴿ ٦