٦

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)

الكادح: هو الساعي، وهو الذي اعتاد ذلك، وهذا في كل الإنسان، تراه أبدا ساعيا إما في عمل الخير أو عمل الشر، أو فيما ينفعه أو فيما يضره، حتى لو هم بترك السعي لم يقدر؛ لأن تركه السعي نوع من السعي.

وروي عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال حين تلا هذه الآية: " أنا ذلك الإنسان " فهذا ليس أنه هو المخصوص بالخطاب؛ لأنه بين الإنسان، فقال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ}، ولا يجوز أن يكون هو المراد بهذا كله، فكل أحد على الإشارة إليه مراد بقوله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ}، فلذلك قال النبي - عليه السلام -: " أنا ذلك الإنسان ".

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا} وجائز أن يكون معناه: أن اجعل كدحك إلى ربك في أن تسعى في طاعته وطلب مرضاته؛ فإنك ملاقيه لا محالة؛ أي: تلاقي جزاء عملك: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وجائز أن تكون الملاقاة كناية عن البعث؛ إذ البعث قد يكنى عنه بلقاء الرب، قال اللّه - تعالى -: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ}، وسمي ذلك اليوم: يوم المصير

إلى اللّه - تعالى - ويوم البروز بقوله - تعالى -: {وَبَرَزُوا للّه جَمِيعًا}.

ووجه التسمية بهذه الأسامي ما ذكرنا: أن المقصود من خلق العالم العاقبة؛ فسمي: بروزا؛ لما للبروز أنشئ، وسمى: مصيرا إلى اللّه تعالى؛ لمصيرهم إلى ما له خلقوا، وإن كان الخلق كلهم بارزين له قبل ذلك، ولم يكونوا عنه غائبين؛ فيصيرون إليه خصوصا لذلك اليوم.

﴿ ٦