٧-٨

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) فسماه: حسابا، يسيرا؛ لوجوه:

أحدها: أن المؤمن اعتقد تصديق الرب في كل ما دعاه إليه، وإذا كان على التصديق سهل عليه تذكر ما قد عمله بتفكر الجملة.

ووجه آخر: أنه إذا نظر في كتابه رأى حسناته مقبولة وسيئاته مغفورة له، فسمي ذلك اليوم: يسيرا له؛ لما أثبت فيه من الخيرات، ومُحي عنه من السيئات، كما سميت الخيرات: يسرى، وسمي ما يجري عليها: يسرى أيضا، فكذلك من أوتي كتابه بيمينه يجري عليه الخير؛ فسمي: حسابا يسيرا.

وجائز أن يكون المسلم يحاسب في أن يذكر ما أنعم اللّه عليه في الدنيا، ولا يحاسب حساب توبيخ وتهويل؛ بأن يقال له: لم فعلت كذا؟ والكافر يسأل سؤال توبيخ، فيقال له: لم فعلت كذا؟! على الإنكار منه لما فعل، وفي ذلك تعسير عليه.

وروي عن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها قالت: سمعت رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " من نوقش الحساب فهو معذب "، وفي بعضها: " من حوسب عذب " قالت: قلت: يا رسول اللّه، ألم يقل اللّه تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا}؟ قال: " يا عائش، ذاك العرض، ولكن من نوقش أن حساب هلك ".

قال الفقيه - رحمه اللّه -: في ظاهر قوله - عليه السلام -: " من نوقش الحساب عذب " دفع لما قالته عائشة - رضي اللّه عنها - لأن الفهم من قوله - عليه السلام -: " من نوقش الحساب " غير الفهم من قوله - تعالى -: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}؛ فليس في ظاهر قوله

جواب لها؛ فكان الظاهر من الكلام الأول على ما فهمته عائشة رَضِيَ اللّه عَنْهُ.

ولكن وجه الجواب فيه: أن قوله - عليه السلام -: " من حوسب عذب "، وقوله - عز وجل -: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ} ليس على كل حساب، وإنما هو على الحساب الذي لا يناقش فيه، فأما الذي هو عرض فليس مما يعذب عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يفهم بالخطاب العام عموم المراد كما فهمته عائشة - رضي اللّه عنها - بل يجوز أن يكون الخطاب عاما، والمراد منه خاصا.

﴿ ٧