١٥وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥) أي: كان بصيرا بما سبق من أعماله الخبيثة؛ فيحاسبه على علم منه بما كسبت يداه، ويعذبه على علم منه باكتساب ما استوجب من العذاب، خلافا لأمر ملوك الدنيا: أنهم يحاسبون على تذكير الغير لهم ما عليه من الحساب، ويعذبون على تعريف الغير لهم ما استوجب به التعذيب، لا على علم منهم بذلك. أو يكون معناه: أنه كان به بصيرا في الأزل: أنه ماذا يعمل إذا أنشأه؟ وإلى ماذا ينقلب أمره: إلى النار أو إلى الجنة؟ فخلقه على علم منه أنه يعادي أولياءه، ويعمل بمعاصيه. ولقائل أن يقول بأن المرء في الشاهد لا يشرع في الأمر الذي يعلم أنه في العاقبة يضره ولا ينفعه، ولو شرع فيه، وأتمه كان مذموما عند الناس، ولم يكن محمودا، فأي حكمة في إنشاء عدوه وهو عالم أنه يسعى في معاداته؟!. فجوابه - واللّه أعلم -: أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه يضره ولا ينفعه، إنما لحقته المذمة؛ لما سعى في إضرار نفسه، فأما الذي أعرض عن إطاعة اللّه - تعالى - وكفر به فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها في المهالك، ولم يضر غيره؛ لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه، وفي هذا دلالة أن اللّه - تعالى - حيث خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة تلحقه من جهتهم؛ بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم، واللّه أعلم. |
﴿ ١٥ ﴾