١٩

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) قرئ بنصب الباء ورفعها، وكلا القراءتين في المعنى واحد، وإن كان في الظاهر إحداهما للجمع والأخرى للوحدان، وإحدى القراءتين بحرف الجمع ليذكر بالرفع، فإن قوله: {لَتَرْكَبُنَّ} منصرف إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ليس في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ}، إشارة إلى شخص بعينه، ولكن المراد منه الجملة؛ فثبت أن الخطاب منصرف إلى الجملة.

ثم قوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} قيل: حالا بعد حال.

ثم جائِز أن يصرف إلى دار الآخرة، فكأنه قال: لتركبن حال الآخرة بعد حال الدنيا؛ فيكون فيه تصريح القول على إيجاب البعث.

ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، فينتقل إلى حال المضغة بعد كونه مضغة، وإلى حال العلقة، وإلى حال الطفولة، إلى أن يبلغ أشده، فلا يزال يركب حالة بعد حالة؛ فيكون في تنقله من حال إلى حال إبانة أنه لم يرد من إنشائه أن تتغير عليه الأحوال فقط، بل أريد به العاقبة التي بها صار إنشاء الخلق حكمة لا عبثا؛ فيكون قوله: {لَتَرْكَبُنَّ} منصرفا إلى كل

إنسان في نفسه خاصة، لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ذكرنا.

ومنهم من قال: إنما أراد بهذا الخطاب رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ذكر عن ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ - رضي اللّه عنهما - لكن قال ابن مسعود - رَضِيَ اللّه عَنْهُ -: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّد.

وقال ابن عَبَّاسٍ: لتركبن السماء حالا بعد حال.

فإن كان التأويل على ما ذكره ابن مسعود، ففيه بشارة له بإسلام قومه، وإجابتهم له؛ فيقول: إنهم سيطيعونك ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن الإيمان وجفوتهم إياك.

ومن قال: لَتَرْكَبَنَّ سماء بعد سماء، فيقول: ذلك ليلة أسري به.

والتأويل الأول أقرب؛ لأن موقع القسم في قوله: {لَتَرْكَبُنَّ}، والإسراء لم يكن يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أُولَئِكَ القوم، فأما ظهور الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس؛ فيتحقق في الآخرة ما أخبر النبي - عليه السلام - عن الغيب؛ فيكون تأكيدا لرسالته؛ فلذلك قلنا: إن الحمل على المعنى الأول أحق، واللّه أعلم.

﴿ ١٩