٣٠

قوله عز وجل { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللّه } الآية . أما قول اليهود ذلك فسببه أن بختنصر لما أخرب بيت المقدس أحرق التوراة حتى لم يبق بأيديهم شيء منها ، ولم يكونوا يحفظونها بقلوبهم ، فحزنوا لفقدها وسألوا اللّه تعالى ردها عليهم ، فقذفها اللّه في قلب عزير ، فحفظها وقرأها عليهم فعرفوها فلأجل ذلك قالوا إنه ابن اللّه .

واختلف فيمن قال ذلك على ثلاثة أقاويل :

أحدها : أن ذلك كان قول جميعهم ، وهو مروي عن ابن عباس .

والثاني : أنه قول طائفة من سلفهم .

والثالث : أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) .

واختلف فيهم على قولين :

أحدهما : أنه فنحاص وحده ، ذكر ذلك عبيد بن عمير وابن جريج .

والثاني : أنهم جماعة وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف ، وهذا مروي عن ابن عباس .

فإن قيل : فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم ؟

قيل : لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره ، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم .

{ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّه } وهذا قول جميعهم ، واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين :

أحدهما : أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن اللّه ، تعالى اللّه عن ذلك .

الثاني : أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى .

{ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ } معنى ذلك : وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه : أنه لا يقترن به دليل ولا يعضده برهان ، فصار قولاً لا يتجاوز الفم فلذلك خص به .

{ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ من قبلُ } أي يشابهون ، مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء إذا لم تحض تشبيهاً بالرجال ومنه ما جاء في الحديث : { أَجرَأُ النَّاسِ عَلى اللّه تَعَالَى الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ خَلْقَهُ } أي يشبهون به .

وفيهم ثلاثة أقاويل :

أحدها : أن قولهم ذلك يضاهي قول عبدة الأوثان في اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات اللّه ، قاله ابن عباس وقتادة .

والثاني : أن قول النصارى المسيح ابن اللّه يضاهي قول اليهود عزير ابن اللّه ، قاله الطبري .

والثالث : أنهم في تقليد أسلافهم يضاهون قول من تقدمهم ، قاله الزجاج .

{ قَاتَلَهُمُ اللّه } فيه ثلاثة تأويلات :

أحدها : معناه لعنهم اللّه ، قاله ابن عباس ومنه قول عبيد بن الأبرص :

قاتلها اللّه تلحاني وقد علمت

أني لنفسي إفسادي وإصلاحي

والثاني : معناه قتلهم اللّه ، قاله بعض أهل العربية .

والثالث : أن اللّه تعالى فيما أعده لعذابهم وبينه من عداوتهم التي هي في مقابلة عصيانهم وكفرهم كأنه مقاتل لهم .

{ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } معناه كيف يُصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب .

﴿ ٣٠