٣٦

قوله عز وجل { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّه اثْنَا عَشَرَ شهْراً } يعني شهور السنة ، وإنما كانت اثني عشر شهراً لموافقة الأهلة ولنزول الشمس والقمر في اثني عشر برجاً يجريان فيها على حساب متفق كما قال اللّه تعالى { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } " [ الرحمن : ٥ ] .

{ . . . مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } يعني أن من الاثني عشر شهراً أربعة حرم ، يعني

بالحرم تعظيم انتهاك المحارم فيها ، وهو ما رواه صدقة بن يسار عن ابن عمر قال : خطب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) في حجة الوداع بمنى في وسط أيام التشريق فقال : { أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ اليَومُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللّه السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّه اثْنَا عَشَرَ شَهراً مِنهَا أَرْبَعَةٌ حَرُمٌ ، أَوّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ } . { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } فيه وجهان :

أحدهما : أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفي ، قاله ابن قتيبة .

والثاني : يعني القضاء الحق المستقيم ، قاله الكلبي .

{ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } فيه أربعة أوجه :

أحدها : فلا تظلموها بمعاصي اللّه تعالى في الشهور الاثني عشر كلها ، قاله ابن عباس .

والثاني : فلا تظلموها بمعاصي اللّه في الأربعة الأشهر ، قاله قتادة .

والثالث : فلا تظلموا أنفسكم في الأربعة الأشهر الحرم بإحلالها بعد تحريم اللّه تعالى لها ، قاله الحسن وابن إسحاق .

والرابع : فلا تظلموا فيها أنفسكم أي تتركوا فيها قتال عدوكم ، قاله ابن بحر .

فإن قيل : فلم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض ؟

قيل : ليكون كفهم فيها عن المعاصي ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها توطئة للنفس على فراقها مصلحة منه في عباده ولطفاً بهم .

﴿ ٣٦