٣٧

قوله عز وجل : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } فيه ثلاثة أوجه :

أحدهما : بحيث نراك ، فعبر عن الرؤية بالأعين لأن بها تكون الرؤية .

الثاني : بحفظنا إياك حفظ من يراك .

الثالث : بأعين أوليائنا من الملائكة .

ويحتمل وجهاً رابعاً : بمعونتنا لك على صنعها . { وَوَحْيِنَا } فيه وجهان :

أحدهما : وأمرنا لك أن تصنعها .

الثاني : تعليمنا لك كيف تصنعها .

{ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظلَمُواْ إِنَّهُمْ مُغْرَقونَ } نهاه اللّه عن المراجعة فيهم فاحتمل نهيه أمرين :

أحدهما : ليصرفه عن سؤال ما لا يجاب إليه .

الثاني : ليصرف عنه مأثم الممالأة للطغاة .

قوله عز وجل : { وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ } قال زيد بن أسلم : مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها ، ومائة سنة يعملها ، واختلف في طولها على ثلاثة أقاويل :

أحدها : ما قاله الحسن كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت مطبقة .

الثاني : ما قاله ابن عباس : كان طولها أربعمائة ذراع ، وعلوها ثلاثون ذراعاً . وقال خصيف : كان طولها ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسون ذراعاً ، وكان في أعلاها الطير ، وفي وسطها الناس وفي أسفلها السباع . ودفعت من عين وردة في يوم الجمعة لعشر مضين من رجب ورست بباقردي على الجودي يوم عاشوراء . قال قتادة وكان بابها في عرضها .

{ وكلّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِّنْ قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } وفي سخريتهم منه قولان :

أحدهما : أنهم كانوا يرونه يبني في البر سفينة فيسخرون منه ويستهزئون به ويقولون : يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً .

الثاني : أنهم لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا يا نوح : ما تصنع ؟ قال : أبني بيتاً يمشي علىالماء فعجبوا من قوله وسخروا منه .

{ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } فيه قولان :

أحدهما : إن تسخروا من قولنا فسنسخر من غفلتكم .

الثاني : إن تسخروا من فِعلنا اليوم عند بناء السفينة فإنا نسخر منكم غداً عند الغرق .

والمراد بالسخرية ها هنا الاستجهال . ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم .

قال ابن عباس : ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر فلذلك سخروا منه . قال : ومياه البحار بقية الطوفان .

فإن قيل : فلم جاز أن يقول فإنا نسخر منكم مع قبح السخرية ؟ قيل : لأنه ذمٌّ جعله مجازاة على السخرية فجاء به على مزاوجة الكلام ، وكان الزجاج لأجل هذا الاعتراض يتأوله على معنى إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلوننا .

﴿ ٣٧