١٠٠قوله عز وجل : { ورفع أبويه على العرش } قال مجاهد وقتادة : وفي أبويه قولان : أحدهما : أنهما أبوه وخالته راحيل ، وكان أبوه قد تزوجها بعد أمه فسميت أُماً ، وكانت أمه قد ماتت في نفاس أخيه بنيامين ، قاله وهب والسدي . الثاني : أنهما أبوه وأمه وكانت باقيه إلى دخول مصر ، قاله الحسن وابن إسحاق . { وخرّوا له سجداً } فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أنهم سجدوا ليوسف تعظيماً له ، قال قتادة : وكان السجود تحية من قبلكم وأعطى اللّه تعالى هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة . وقال الحسن : بل أمرهم اللّه تعالى بالسجود له لتأويل الرؤيا . وقال محمد بن إسحاق : سجد له أبواه وإخوته الأحد عشر . والقول الثاني : أنهم سجدوا للّه عز وجل ، قاله ابن عباس ، وكان يوسف في جهة القبلة فاستقبلوه بسجود ، وكان سجودهم شكراً ، ويكون معنى قوله { وخروا } أي سقطوا ، كما قال تعالى { فخرّ عليهم السقف مِنْ فوقهم } أي سقط . والقول الثالث : أن السجود ها هنا الخضوع والتذلل ، ويكون معنى قوله تعالى { خروا } أي بدروا . { وقال يا أبَتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً } واختلف العلماء فيما بين رؤياه وتأويلها على خمسة أقاويل : أحدها : أنه كان بيهما ثمانون سنة ، قاله الحسن وقتادة . الثاني : كان بينهما أربعون سنة ، قاله سليمان . الثالث : ست وثلاثون سنة ، قاله سعيد بن جبير . الرابع : اثنتان وعشرون سنة . والخامس : أنه كان بينهما ثماني عشرة سنة ، قاله ابن إسحاق . فإن قيل : فإن رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة فهلاّ وثق بها يعقوب وتسلى ؟ ولم { قال يا بُني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً } وما يضر الكيد مع سابق القضاء ؟ قيل عن هذا جوابان : أحدهما : أنه رآها وهو صبي فجاز أن تخالف رؤيا الأنبياء المرسلين . الثاني : أنه حزن لطول المدة في معاناة البلوى وخاف كيد الإخوة في تعجيل الأذى . { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } فإن قيل فلم اقتصر من ذكر ما بُلي به على شكر إخراجه من السجن دون الجب وكانت حاله في الجب أخطر ؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه كان في السجن مع الخوف من المعرة ما لم يكن في الجب فكان ما في نفسه من بلواه أعظم فلذلك خصه بالذكر والشكر . الثاني : أنه قال ذلك شكراً للّه عز وجل على نقله من البلوى إلى النعماء ، وهو إنما انتقل إلى الملك من السجن لا من الجب ، فصار أخص بالذكر والشكر إذ صار بخروجه من السجن ملكاً ، وبخروجه من الجب عبداً . الثالث : أنه لما عفا عن إخوته بقوله { لا تثريب عليكم اليوم } أعرض عن ذكر الجب لما فيه من التعريض بالتوبيخ وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله : { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } أي من سجن السخط إلى فضاء الرضا . وفي قوله : { وجاء بكم من البدو } ثلاثة أقاويل : أحدها : أنهم كانوا في بادية بأرض كنعان أهل مواشٍ وخيام ، وهذا قول قتادة . الثاني : أنه كان قد نزل { بدا } وبنى تحت جبلها مسجداً ومنها قصد ، حكاه الضحاك عن ابن عباس . قال جميل : وأنتِ التي حَبَبْتِ شغباً إلى بَدَا إليّ وأوطاني بلادٌ سِواهما يقال بدا يبدو إذا نزل { بدا } فلذلك قال : وجاء بكم من البدو وإن كانوا سكان المدن . الثالث : لأنهم جاءُوا في البادية وكانوا سكان مدن ، ويكون بمعنى في . واختلف من قال بهذا في البلد الذي كانوا يسكنونه على ثلاثة أقاويل . أحدها : أنهم كانوا من أهل فلسطين ، قاله علي بن أبي طلحة . الثاني : من ناحية حران من أرض الجزيرة ، ولعله قول الحسن . الثالث : من الأولاج من ناحية الشعب ، حكاه ابن إسحاق . { من بَعْدِ أن نَزَغَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي } وفي نزغه وجهان : أحدهما : أنه إيقاع الحسد ، قاله ابن عباس . الثاني : معناه حرّش وأفسد ، قاله ابن قتيبة . { إن ربي لطيف لما يشاء } قال قتادة : لطيف بيوسف بإخراجه من السجن ، وجاء بأهله من البدو ، ونزع عن يوسف نزغ الشيطان . |
﴿ ١٠٠ ﴾