٥٦

قل ادعوا الذين . . . . .

قوله عز وجل : { أولئك الذين يدعون يبتغُون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقْرَبُ } الآية فيها ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنها نزلت في نفر من الجن كان يعبدهم قوم من الإنس ، فأسلم الجن ابتغاء الوسيلة عند ربهم ، وبقي الإنس على كفرهم ؛ قاله عبد اللّه بن مسعود .

الثاني : أنهم الملائكة كانت تعبدهم قبائل من العرب ، وهذا مروي عن ابن مسعود أيضاً .

الثالث : هم وعيسى وأُمُّهُ ، قاله ابن عباس ومجاهد . وهم المعنيّون بقوله تعالى { قلِ ادعُوا الذين زعمتم مِن دونه }

وتفسيرها أن قوله تعالى { اولئك الذين يدعون } يحتمل وجهين :

أحدهما : يدعون اللّه تعالى لأنفسهم .

الثاني : يدعون عباد اللّه إلى طاعته .

وقوله تعالى : { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وهي القربة ، وينبني تأويلها على احتمال الوجهين في الدعاء .

فإن قيل إنه الدعاء لأنفسهم كان معناه يتوسلون إلى اللّه تعالى بالدعاء إلى ما سألوا .

وإن قيل دعاء عباد اللّه إلى طاعته كان معناه أنهم يتوسلون لمن دعوه إلى مغفرته .

{ أيهم أقرَبُ } تأويله على الوجه الأول : أيهم أقرب في الإجابة . وتأويله على الوجه الثاني : أيهم أقرب إلى الطاعة .

{ ويرجون رحمته ويخافون عذابهُ } يحتمل وجهين :

أحدهما : أن يكون هذا الرجاء والخوف في الدنيا .

الثاني : أن يكونا في الآخرة .

فإن قيل إنه في الدنيا احتمل وجهين :

أحدهما : أن رجاء الرحمة التوفيق والهداية ، وخوف العذاب شدة البلاء .

وإن قيل إن ذلك في الآخرة احتمل وجهين :

أحدهما : أن رجاء الرحمة دوام النعم وخوف عذاب النار .

الثاني : أن رجاء الرحمة العفو ، وخوف العذاب مناقشة الحساب .

ويحتمل هذا الرجاء والخوف وجهين : أحدهما : أن يكون لأنفسهم إذا قيل إن أصل الدعاء كان لهم .

الثاني : لطاعة اللّه تعالى إذا قيل إن الدعاء كان لغيرهم . ولا يمتنع أن يكون على عمومه في أنفسهم وفيمن دعوه .

قال سهل بن عبد اللّه : الرجاء والخوف ميزانان على الإنسان فإذا استويا استقامت أحواله ، وإن رجح أحدهما بطل الآخر .

قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) : { لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا } .

﴿ ٥٦