٢٩

قوله عز وجل : { وَإذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْءانَ } فيه قولان :

أحدهما : أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب ولم يكونوا بعد عيسى صرفوا عنه إلا عند مبعث النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، فقالوا : ما هذا الذي حدث في الأرض ؟ فضربوا في الأَرض حتى وقفوا على النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) ببطن نخلة عائداً إلى عكاظ وهو يصلي الفجر ، فاستمعوا القرآن ونظروا كيف يصلي ويقتدي به أصحابه ، فرجعوا إلى قومهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً ، قاله ابن عباس .

وحكى عكرم أن السورة التي كان يقرأها ببطن نخلة { اقرأْ بِاسِمِ رَبِّكَ } " [ العلق : ١ ] وحكى ابن عباس كان يقرأ في العشاء { كَادوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } .

الثاني : أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق هداية من اللّه لهم حتى أتوا نبي اللّه ببطن نخلة .

وفيهم أربعة أقاويل :

أحدها : أنهم جن من أهل نصيبين ، قاله ابن عباس .

الثاني : أنهم من أهل نينوى ، قاله قتادة .

الثالث : أنهم من جزيرة الموصل ، قاله عكرمة .

الرابع : من أهل نجران ، قاله مجاهد .

واختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنهم كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل ، قاله عكرمة .

الثاني : أنهم كانوا تسعة أحدهم زوبعة ، قاله زر بن حبيش .

الثالث : أنهم كانوا سبعة : ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين ، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وناصر والأردن وأنيان الأحقم ، قاله مجاهد .

واختلف في علم النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) على قولين :

أحدهما : أنه ما شعر بهم رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) حتى أوحى اللّه إليه فيهم وأخبره عنهم ، قاله ابن عباس ، والحسن .

الثاني : أن اللّه قد كان أعلمه بهم قبل مجيئهم . روى شعبة عن قتادة أن نبي اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) قال : { إِنِّي أمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى الْجِنِّ فَأَيُّكُمْ يَتْبَعُنِي } فأطرقوا فاتبعه ابن مسعود فدخل نبي اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) شعباً يقال له شعب الحجون وخط عليه وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك ، قال عكرمة : وقال لابن مسعود : { لاَ تَبْرَحْ حَتَّى آتِيكَ } فلما خشيهم ابن مسعود كاد أن يذهب فذكر قول النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) فلم يبرح ، فقال له النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) : { لَوْ ذَهَبْتَ مَا التَقَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ولما توجه رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) إليهم تلا عليهم القرآن وقضى بينهم في قتيل منهم .

وروى قتادة عن ابن مسعود أنهم سألوه الزاد فقال : { كُلُّ عَظْمٍ لَكُم عِرْقٌ ، وَكُلٌّ رَوَثَةٍ لَكُم خَضِرَةٌ } فقالوا يا رسول اللّه يقذرها الناس علينا ، فنهى سول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) أن يستنجى بأحدهما .

روى عبد اللّه بن عمرو بن غيلان عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) : { إِنَّ وَفْدَ الجِنَّ سَأَلُونِي المَتَاع ، - وَالمَتَاعُ : الزَّادُ - فَمَتَّعْتُهُم بِكُلِّ عَظْمٍ حَائِلٍ وَبَعْرَةٍ أَوْ رَوَثَةٍ } فقلت : يا رسول اللّه وما يغني عن ذلك عنهم ؟ فقال : { إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثة ولا بعرة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ، فلا يستنجين أحدكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة } . { فَلَمَّا حَضَرُوه قَالُواْ أنصِتُواْ } يحتمل وجهين

: أحدهما : فلما حضروا قراءة القرآن قال بعضهم لبعض أنصتوا لسماع القرآن .

الثاني : لما حضروا رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) قالوا أنصتوا لسماع قوله .

{ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } فيه وجهان

: أحدهما : فلما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين برسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، قال الكلبي : مخوفين : قاله الضحاك .

الثاني : فلما فرغ من قرءاة القرآن ولوا إلى قومهم منذرين ، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم .

﴿ ٢٩