٤٢

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ كرر للتأكيد اى هم سماعون و مثله. أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قرأ ابن كثير و ابو عمرو و الكسائي و ابو جعفر فى المواضع الثلاثة بضم الحاء و الباقون بإسكانها و معناه الحرام و أصله الهلاك قال اللّه تعالى فيسحتكم بعذاب قال الأخفش السحت كل كسب لا يحل نزلت الاية فى حكام اليهود كعب بن الأشرف و أمثاله كانوا يرتشون و يقضون لمن رشاهم و يسمعون الكذب و يقبلونه من الراشي و لا يلتفتون الى خصمه و قال الحسن و مقاتل و قتادة و الضحاك السحت هو الرشوة فى الحكم و قال الحسن انما ذلك فى الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا او يبطل عليك حقا فاما ان يعطى الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه الظلم فلا بأس به يعنى لا بأس به على المعطى فى دفعه وقاية لنفسه و ماله و اما على الاخذ فحرام اخذه قلت و كذا إذا كان المدعى محقا يرى ان القاضي لا يحكم له بحقه و لا يدفع عنه ظلم خصمه الا بدفع الرشوة فلا بأس له فى الدفع و حرام على القاضي الاخذ لان الحكم بالحق و دفع الظلم واجب عليه لا يجوز له ان يأخذ عليه شيئا قال ابن مسعود من يشفع شفاعة ليرد بها حقا او يدفع بها ظلما فاهدى له فقبل فهو سحت فقيل له يا باعبد الرحمن ما كنا نرى ذلك الا الاخذ على الحكم فقال الاخذ على الحكم كفر قال اللّه عز و جل و من لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الكافرون و عن مسروق قال قلت لعمر بن الخطاب ارايت الرشوة فى الحكم من السحت هى قال لا و لكن كفر انما السحت ان يكون للرجل عند السلطان جاه و منزلة و يكون للاخر الى السلطان حاجة فلا يقضى حاجته حتى يهدى اليه هدية و عن عمر قال بابان من السحت يأكلهما الناس الرشا فى الحكم و مهر الزانية و عن ليث قال تقدم الى عمر بن الخطاب خصمان فاقامهما ثم عادا فاقامهما ثم عادا ففصل بينهما فقيل له فى ذلك فقال تقدما الى فوجدت لاحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت ان افصل بينهما على ذلك ثم عادا فوجدت بعض ذلك فكرهت ثم عادا قد ذهب ذلك ففصلت بينهما و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لعنة اللّه على الراشي و المرتشي فى الحكم رواه احمد و الترمذي و صححه و الحاكم عن ابى هريرة و روى البغوي نحوه عن عبد اللّه بن عمر و مرفوعا و روى احمد بإسناد ضعيف عن ثوبان مرفوعا لعن اللّه الراشي و المرتشي و الرائش الذي يسعى بينهما.

(فائدة) قال ابن همام الرشوة على اقسام منها ما هو حرام على الاخذ و المعطى و هو الرشوة فى تقليد القضاء فلا يصير قاضيا و ارتشاء القاضي ليحكم فلا ينفذ قضاؤه فى تلك الواقعة و ان حكم بحق لانه واجب عليه فلا يحل أخذ المال عليه و لا إعطائه و منها ما هو حرام على الاخذ دون المعطى كما إذا اعطى المال ليسوى امره عند السلطان دفعا للضرر او جلبا للنفع و حيلة حلها للاخذ ان يستاجر يوما الى الليل او يومين فيصير منافعه مملوكة له ثم يستعمله فى الذهاب الى السلطان للامر الفلاني و كذا إذا ما اعطى المال لدفع الخوف من المدفوع اليه على نفسه او ماله حرام على الاخذ دون المعطى لان دفع الضرر على المسلم واجب و لا يجوز أخذ المال على الفعل الواجب.

(فائدة) و فى المحيط الرشوة على انواع نوع منها ان يهدى الرجل الى رجل مالا لابتغاء التودد و التحبب و هذا حلال من جانب المهدى و المهدى اليه قلت و فى الباب قوله صلى اللّه عليه و سلم تهادوا تحابوا و نوع منها ان يهدى الرجل الى رجل ما لا بسبب ان ذلك الرجل قد خوفه فيهدى اليه ما لا ليدفع الخوف عن نفسه او يهدى الى السلطان مالا ليدفع ظلمه عن نفسه او ماله و هذا النوع لا يحل للاخذ و عامة المشايخ على انه يحل للمعطى لانه بذل ماله وقاية لنفسه و ماله و نوع منها ان يهدى الرجل الى رجل مالا يسوى امره فيما بينه و بين السلطان و يعينه فى حاجته فان كان حاجته حراما لا يحل من الجانبين الاخذ و الإعطاء و ان كان مباحا فان كان قد اشترط انه انما يهدى اليه ليعينه عند السلطان لا يحل الاخذ و هل يحل الإعطاء تكلموا فيه فمنهم من قال يحل و منهم من قال لا يحل و الحيلة فيه ان يستاجره صاحب الحادثة يوما الى الليل ليقوم بعمله و ان لم يشترط لكن انما يهدى اليه ليعينه عند السلطان فقال عامة المشايخ لا يكره اخذه و قيل يكره كذا نقل عن ابن مسعود فَإِنْ جاؤُكَ يا محمد يعنى اليهود لتحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً خيّر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه و سلم إذا تحاكم اليه الكفار بين الحكم و الاعراض

قال البغوي اختلفوا فى حكم هذه الاية اليوم هل للحاكم الخيار فى الحكم بين اهل الذمة إذا تحاكموا إلينا فقال اكثر اهل العلم هو حكم ثابت و ليس فى سورة المائدة منسوخ حكام المسلمين بالخيار فى الحكم بين اهل الكتاب ان شاؤا حكموا و ان شاؤا لم يحكموا و ان حكموا حكموا بحكم الإسلام و هو قول النخعي و الشعبي و عطاء و قتادة و قال قوم يجب على حكام المسلمين ان يحكم بينهم و الاية منسوخة نسخها قوله تعالى و ان احكم بينهم بما انزل اللّه و هو قول مجاهد و عكرمة و روى ذلك عن ابن عباس و قال لم ينسخ من المائدة الا آيتان قوله تعالى لا تحلوا شعائر اللّه نسخها قوله تعالى اقتلوا المشركين كافة و قوله تعالى فان جاؤك فاحكم بينهم او اعرض عنهم نسخها

قوله تعالى و ان احكم بينهم بما انزل اللّه

قال البيضاوي قيل لو تحاكما الكتابيان الى القاضي لم يجب عليه الحكم و هو قول الشافعي و الأصح وجوبه إذا كان الترافعان او أحدهما ذميا لانا التزمنا الذنب عنهم و دفع الظلم منهم و الاية ليست فى اهل الذمة و عند ابى حنيفة رحمه اللّه يجب مطلقا قلت إذا ترافع الى القاضي كافران ذميان او حربيان يجب على القاضي الحكم بينهما بالعدل لانه التزم من السلطان القضاء بالحق و كذا إذا ترافع أحدهما و المدعى عليه مسلم او ذمى لالتزامه حكم الشرع بالإسلام او الاستسلام بخلاف ما إذا كان المدعى عليه حربيا حيث لم يلتزم أحكامنا و اما إذا ترافع مسلمان او ذميان او حربيان او مختلفان الى رجل من المسلمين غير الحكام ليحكم بينهم لا يجب عليه قبول التحكيم بل هو بالخيار ان شاء حكم بينهم و ان شاء اعرض عنهم وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بالعدل إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العادلين قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان المقسطين عند اللّه على منابر من نور رواه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو و عن عمر بن الخطاب قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان أفضل عباد اللّه عند اللّه منزلة يوم القيامة امام عادل رفيق و ان شر الناس عند اللّه منزلة امام جائر خرق «١» رواه البيهقي فى شعب الايمان.

(١) الخرق بالضم الجهل و الحمق ١٢.

﴿ ٤٢