٤٤

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً الى الحق وَ نُورٌ ينكشف به احكام اللّه تعالى و يجتلى به القلوب الغير القاسية يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ موسى و من بعده من الأنبياء آخرهم محمد صلى اللّه عليه و سلم قضى عليهم بالرجم و قال الحسن و السدى أراد به محمدا صلى اللّه عليه و سلم حكم على اليهود بالرجم و ذكر بلفظ الجمع كما فى قوله تعالى ان ابراهيم كان امة قانتا و يحكم بصيغة المضارع يدل على ان حكم محمّد صلى اللّه عليه و سلم ايضا داخل فى المقصود بالآية و قيل ان المراد بالنبيين هاهنا الذين بعثوا بعد موسى قبل عيسى ليحكموا بالتورية بقرينة قوله تعالى و قفينا على اثارهم بعيسى و على تقدير شمول كلمة النبيين المذكورة محمدا صلى اللّه عليه و سلم و غيره لا بد من التأويل فى قوله تعالى و قفينا على اثارهم بان الضمير راجع إليهم بالنسبة الى بعض افرادهم كما فى قوله تعالى و بعولتهن أحق بردهن و من هاهنا قال ابو حنيفة يجب علينا العمل بشرائع من قبلنا ما لم يظهر نسخه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم انا اولى الناس بعيسى بن مريم فى الاولى و الاخرة الأنبياء اخوة من علات أمهاتهم شتى و دينهم واحد الحديث متفق عليه يعنى دينهم واحد و هو ما قضى اللّه به سبحانه و طرق ظهور ذلك الدين فى الدنيا شتى بعدد تعينات الأنبياء الَّذِينَ أَسْلَمُوا اى انقادوا الحكم اللّه صفة أجريت على النبيين مدحا لهم و تنويها لشان المسلمين و تعريضا لليهود حيث لا يحكمون بما فى التورية و لا ينقادون لحكم اللّه تعالى لِلَّذِينَ هادُوا اى تابوا من الكفر متعلق بانزلنا او بالظرف المستقر أعنى فيها هدى و نورا و بيحكم اى يحكمون بها فى تحاكمهم و على التقدير الثالث قيل اللام بمعنى على كما فى قوله تعالى و ان أسأتم فلها يعنى فعليها و قوله تعالى أولئك لهم اللعنة اى عليهم قلت و على هذا التأويل جاز ان يكون معنى الاية يحكم النبيون بالتورية على اليهود بكفرهم فان التورية يحكم عليهم انه إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه

قال البيضاوي هذا القيد يعنى للذين هادوا يدل على ان المراد بالنبيين فى هذه الاية أنبياء بنى إسرائيل الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما فى التورية لا من لم يومر بما فى التورية و منهم عيسى و محمد صلى اللّه عليهما و سلم و كذا قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و هذا القول منه مبنى على مذهب الشافعي رح ان شرائع من قبلنا لا يكون حجة علينا

قلنا قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا لا يدل على نسخ جميع احكام التورية بل على بعضها او أكثرها و ما لم يظهر نسخ حكم ثبت بالكتاب او السنة ان اللّه تعالى حكم به لا بد من العمل به لقوله تعالى فبهدئهم اقتده و اللّه اعلم وَ الرَّبَّانِيُّونَ اى الصوفية الزهاد يحكم بها المسترشدين منهم فيما يتعلق بتهذيب الأخلاق و تجلية القلوب وَ الْأَحْبارُ جمع حبر بفتح الحاء و كسرها و الكسر افصح هو العالم المحكم للشئ و قيل الحبر بمعنى الجمال فى الحديث يخرج من النار رجل قد ذهب حبره و صبره اى حسنه و هيئته و منه التحبير للتحسين و يقال للعالم حبرا لما عليه من جمال العلم و العلماء جمال الامة بِمَا اسْتُحْفِظُوا العائد الى الموصول محذوف و بيانه من قوله تعالى مِنْ كِتابِ اللّه الجار و المجرور متعلق بيحكم و الباء للسببية و الضمير المرفوع فى استحفظوا راجع الى النبيين و الربانيين و الأحبار و الاستحفاظ منهم تكليفهم بحفظه و العمل به و منعهم عن نسيانه و عن ترك العمل به و عن التضييع و التحريف يعنى يحكم بها الأنبياء و من تبعهم بسبب أمرهم اللّه تعالى بان يحفظوه وَ كانُوا عَلَيْهِ اى على الاستحفاظ من اللّه او على كتاب اللّه شُهَداءَ رقباء يعلمونه و يبينونه فَلا تَخْشَوُا ايها الحكام النَّاسَ فى الحكومة على خلاف مرادهم وَ اخْشَوْنِ فى ترك العمل بكتابي و احكامى اثبت الياء فى الوصل فقط ابو عمرو و حذفها الجمهور فى الحالين اخرج ابن عساكر و الحكيم الترمذي عن ابن عباس انه قال انما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم فان لم يخف الا اللّه لم يسلط عليه غيره و انما و كل ابن آدم بمن رجا ابن آدم فان لم يرج ابن آدم الا اللّه لم يكله الى سواه وَ لا تَشْتَرُوا اى لا تستبدلوا بِآياتِي باحكامى التي أنزلتها ثَمَناً قَلِيلًا من متاع الدنيا على سبيل الرشوة و نحو ذلك هذا صريح فى ان حكام هذه الامة مأمورون بالحكم بما ثبت كونه فى التورية و لم يثبت نسخه وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّه مستهينا به جاحدا له كذا قال عكرمة فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ان لم يحكم بالاستهانة و قيل المراد بالكفر الفسق و جاز ان يكون المراد بالكفر ستر الحق قال ابن عباس و طاووس ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعل فهو به كفر يعنى ستر الحق و ليس كمن كفر باللّه و اليوم الاخر.

﴿ ٤٤