٨

عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ فعاد اللّه عليهم بالرحمة ثم عاد القوم بشر ما بحضرتهم فبعث اللّه عليهم ما شاء نقمته و عقوبته- ثم بعث عليهم العرب كما قال وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ- فهم منهم فى عذاب الى يوم القيامة و ذكر السدىّ بإسناده ان رجلا من بنى إسرائيل راى فى النوم ان خراب بيت المقدس على يدى غلام يتيم ابن ارملة بابل يدعى بخت نصر و كانوا يصدقون فتصدق رؤياهم- فاقبل يسئل عنه حتّى نزل على امه و هو يحتطب فجاء و على رأسه حزمة حطب فالقاها ثم قعدو كلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال اشتر بهذا طعاما و شرابا فاشترى بدرهم لحما و بدرهم خبزا و بدرهم خمرا فاكلوا و شربوا- و فعل فى اليوم الثاني كذلك و فى الثالث كذلك- ثم قال انى أحب ان تكتب لى أمانا ان أنت ملكت يوما من الدهر قال أ تستخر منى- فقال انى لا أسخر منك و لكن ما عليك ان تتخذ بها عندى يدا- فكتب له أمانا فقال ان جئت و الناس حولك قد حالوا بينى و بينك- قال ترفع صحيفتك على قصبة فاعرفك فكتب له و أعطاه- ثم ان ملك بنى إسرائيل كان يكرّم يحيى بن زكريا عليه السلام و يدنى مجلسه و انه هوى بنت امرأته و قال ابن عباس ابنة أخته فسال يحيى فنهاه عن نكاحها- فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى و عمدت حين جلس الملك على شرابه فالبستها ثيابا رقاقا حمرا و طيبتها و ألبستها الحلي و أرسلتها الى الملك و أمرتها ان تسقيه- فان راودها على نفسه أبت عليه حتّى يعطيها ما سالته- فاذا أعطاها سالته رأس يحيى بن زكريا ان يؤتى به فى طست- ففعلت فلما أرادها فقالت لا افعل حتّى تعطينى ما أسئلك قال ما تسئلنى قالت رأس يحيى بن زكريا فى هذا الطست فقال ويحك سلينى غير هذا- فقالت ما أريد الا هذا فلما أبت عليه بعث فاتى برأسه فوضع بين يديه و الرأس يتكلم يقول لا تحل لك- فلمّا أصبح إذا دمه يغلى فامر بتراب فالقى عليه فاذا الدم يغلى و القى عليه من التراب حتّى بلغ سور المدينة و هو فى ذلك يغلى- فبعث صخابين ملك بابل جيشا إليهم و امّر عليهم بخت نصر فسار بخت نصر حتّى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه فى مداينهم فلما اشتد عليه المقام أراد الرجوع- فخرجت اليه عجوز من عجائز بنى إسرائيل فقالت تريد ان ترجع قبل فتح المدينة قال نعم قد طال مقامى و جاع أصحابي- قالت ارايت ان فتحت لك المدينة تعطينى ما أسئلك فتقتل من أمرك بقتله و تكف إذا امرتك ان تكف قال نعم- قالت إذا أصبحت فاقسم جندك اربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا ايديكم الى السماء فنادوا انّا نستفتحك باللّه بدم يحيى بن زكريا فانها سوف تساقط- ففعلوا فتساقطت المدينة و دخلوا من جوانبها فقالت كف يدك و انطلقت به الى دم يحيى بن زكريا عليهما السلام- و قالت اقتل على هذا الدم حتّى تسكن فقتل عليه سبعين الفا حتّى سكن- فلما سكن قالت كف يدك فان اللّه لم يرض إذا قتل نبى حتّى يقتل من قتله و من رضى بقتله- و أتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه و عن اهل بيته فخرب بيت المقدس و طرح فيه الجيف و أعانه على خرابه الروم من أجل ان بنى إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام و ذهب معه وجوه بنى إسرائيل و ذهب بدانيال و قوم من أولاد الأنبياء و ذهب معه برأس جالوت- فلما قدم بابل وجد صخابين قد مات فملك مكانه- و كان أكرم الناس عنده دانيال و أصحابه فحسدهم المجوس و وشوا بهم اليه و قالوا ان دانيال و أصحابه يكذّبون إلهك و لا يأكلون ذبيحتك فسالهم- فقالوا أجل ان لنا ربّا نعبده و لسنا نأكل من ذبيحتكم فامر بخدّ فخدّ لهم و القوا فيه و هم ستة و القى معهم سبع صار ليأكلهم فذهبوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا و السبع مفترش ذراعيه معهم لم يخدش منهم أحدا- و وجدوا معهم رجلا سابعا فقال ما هذا السابع انما كانوا ستة فخرج السابع و كان ملكا فلطمه لطمة فصار فى الوحش و مسخه اللّه سبع سنين- و ذكر وهب ان اللّه تعالى مسخ بخت نصر نسرا فى الطير ثم مسخه ثورا فى الدواب ثم مسخه أسدا فى الوحش فكان مسخه سبع سنين و قلبه فى ذلك قلب انسان ثم رد اللّه اليه ملكه فامن- فسئل وهب أ كان مؤمنا فقال وجدت اهل الكتاب اختلفوا فيه فمنهم من قال مات مؤمنا و منهم من قال احرق بيت اللّه و كتبه و قتل الأنبياء فغضب اللّه عليه فلم يقبل توبته- قال السدىّ ثم ان بخت نصر لما رجع الى صورته بعد المسخ ورد اللّه اليه ملكه كان دانيال و أصحابه أكرم الناس عليه فحسدهم المجوس و قالوا لبخت نصر ان دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه ان يبول و كان ذلك فيهم عارّا فحمل لهم طعاما و شرابا فاكلوا و شربوا و قال للبواب انظروا أول من يخرج ليبول فاضربه بالطبرزين و ان قال انا بخت نصر فقل كذبت بخت نصر أمرني- فكان أول من قام ليبول بخت نصر فلما راه شدّ عليه فقال ويحك انا بخت نصر فقال كذبت بخت نصر أمرني فضربه فقتل-

قال البغوي هذا ما ذكره فى المبتدأ الا ان رواية من روى ان بخت نصر غزا بنى إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام غلط عند اهل السير- بل هم مجمعون على ان بخت نصر انما غزا بنى إسرائيل عند قتلهم شعيا فى عهد ارميا و من وقت ارميا و تخريب بيت المقدس الى مولد يحيى بن زكريا عليهما السلام اربعمائة و احدى و ستون سنة و ذلك انهم يعدون من لدن تخريب بخت نصر بيت المقدس الى حين عمرانه فى عهد كيرش بن اخشورش ابن اصبهبد بابل من قبل بهمن بن إسفنديار سبعين سنة و من بعد عمرانه الى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانية و ثمانين سنة ثم من بعد مملكته الى مولد يحيى بن زكريا ثلاثمائة و ثلاثا و ستين سنة و الصحيح من ذلك ما ذكره محمّد بن إسحاق- عَسى رَبُّكُمْ يا بنى إسرائيل أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد ذلك ان أمنتم بمحمّد صلى اللّه عليه و سلم و اصلحتم أعمالكم باتباع القران وَ إِنْ عُدْتُمْ الى المعصية و مخالفة الرسول صلى اللّه عليه و سلم عُدْنا الى العقوبة و الانتقام فرحم اللّه من أمن منهم بمحمّد صلى اللّه عليه و سلم مثل عبد اللّه بن سلام و من معه و النجاشي و كعب الأحبار و غيرهم و أثني عليهم بقوله مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللّه آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ إلخ و بقوله وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ إلخ و عاد بنوا قريظة و بنوا النضير و أشباههم فارادوا قتل النبي صلى اللّه عليه و سلم و سحروه و جعلوا السم فى طعامه و حاربوه فعاد اللّه عليهم بالانتقام فقتل بنى قريظة و اجلى بنى النضير و ضرب عليهم الجزية يؤدونها عن يدوهم صاغرون وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) محبسا فى الاخرة لا يقدرون على الخروج منها ابدا- و قيل بساطا كما يبسط الحصير.

﴿ ٨