|
٤٨ وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ قرا ابن كثير الرّيح على التوحيد ارادة للجنس و الباقون على الجمع ملاحظة للافراد بُشْراً قرا الجمهور بضم النون و الشين من النشور و ابن عامر بضم النون و سكون الشين على التخفيف و أصله ضم الشين جمع ناشرة يعنى ناشرات للسحاب و قرا حمزة و خلف ابو محمد و الكسائي بفتح النون على انه مصدر وصف به و قرا عاصم بضم الباء التحتانية و تخفيف الشين تخفيف بشر جمع بشير بمعنى مبشرين بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى قدام المطر وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً عطف على أرسل على سبيل الالتفات من الغيبة الى التكلم و الطهور اما اسم لما ينطهر به كالسحور لما يتسحر به و الفطور لما يفطر به كما فى قوله صلى اللّه عليه و سلم ان الصعيد الطيب طهور المسلم ما لم يجد الماء و لو الى عشّر حجج رواه احمد و ابو داود و الترمذي عن ابى ذر و صححه و قوله صلى اللّه عليه و اله و سلم جعل لنا الأرض كلها مسجدا و ترابها طهورا و اما مصدر كالقبول و منه قول صلى اللّه عليه و سلم طهور اناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسل سبع مرات أولهن بالتراب رواه مسلم و ابو داود عن ابى هريرة و انما وصف الماء به مبالغة و ما صفة للمبالغة كالصبور و الشكور و القطوع و الضحوك بمعنى الكامل فى الطاهرية قال البغوي ذهب قوم الى ان الطهور ما يتكرر به التطهير كالصبور اسم لما يتكرر منه الصبر و الشكور اسم لما يتكرر منه الشكر و هو قول مالك حتى جوز و الوضوء بالماء الّذى استعمل فى الوضوء مرة. قلت و هذا ليس بشئ لان الفعول ليس من التفعيل فى شى ء و ايضا لا دلالة فيه على التكرار بل على المبالغة الا ان يقال الكمال فى الطاهرية اما بان يكون طاهرا فى نفسه مطهرا لغيره و قد ثبت كون الماء على هذه الصفة بالنصوص و الإجماع و النقل المتواتر و اما بان كان طاهرا بحيث لا ينجسه شى ء و به قال مالك محتجا بقوله صلى اللّه عليه و سلم الماء لا ينجسه شى ء رواه احمد و ابن خزيمة و ابن حبان عن ابن عباس رض و روى اصحب السنن الاربعة بلفظ ان الماء لا يخبث و رواه الدار قطنى عن عائشة رض و الطبراني فى الأوسط و ابو يعلى و البزار و ابو على بن السكن فى صحاحه من حديث شريك و روى احمد و الترمذي و ابو داود و النسائي عن ابى سعيد الخدري قال قيل يا رسول اللّه أ نتوضا من بئر بضاعة و هى بئر يلقى فيها الحيض و لحوم الكلاب و النتن فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان الماء طهور لا ينجسه شى ء. و روى ابن ماجة عن ابى سعيد قوله صلى اللّه عليه و سلم فى الحياض تردها السباع و الكلاب و الحمر لها ما حملت فى بطونها و لنا ما غير طهور. فان قيل هذه الأحاديث متروكة بالإجماع حتى ان مالكا يقول ان الماء إذا تغير أحد أوصافه يتنجس بوقوع النجاسة فيه قلنا إذا تغير أحد أوصاف الماء فهو ليس بماء مطلق و كلامنا فى الماء المطلق. و الجواب عن هذا الاحتجاج ان المراد بالماء هاهنا الماء المعهود يعنى الماء الكثير المستقر فى الحياض و فى بئر بضاعة و نحو ذلك حتى يندفع التعارض بين هذه الأحاديث و أحاديث اخر تدل على تنجس الماء بوقوع النجاسة فيه و ان لم يتغير أحد أوصافه منها قوله صلى اللّه عليه و سلم طهور اناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه ان يغسل سبع مرات أولهن بالتراب. رواه مسلم و ابو داؤد و منها قوله صلى اللّه عليه و سلم لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الّذى لا يجرى ثم يتوضا منه متفق عليه و هذا لفظ البخاري و منها قوله صلى اللّه عليه و سلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فان أحدكم لا يدرى اين باتت يده. رواه مالك و الشافعي و احمد و البخاري و مسلم و اصحاب السنن الاربعة عن ابى هريرة رض و قد روى نحو هذا الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ابن عمر رض و جابر رض و عائشة رض فحملنا أحاديث تنجس الماء على القليل و أحاديث عدم التنجس على الكثير فاختلف العلماء فى حد الكثير فقال الشافعي و احمد الماء إذا بلغ القلتين (و هى خمسمائة رطل بالبغدادي و بالمساجة ذراع و ربع ذراع طولا و عرضا و عمقا) فهو كثير لا يتنجس الا إذا تغير بالنجاسة طعمه او لونه او ريحه و ما دونه قليل يتنجس. و قال ابو حنيفة ما لا يصل فيه النجاسة من جانب الى جانب اخر على اكبر رأى المبتلى به فكثير و الا فقليل و قدّره بعض المتأخرين بعشر فى عشر و قيل خمسة عشر فى خمسة عشر و قيل اثنى عشر فى اثنى عشر و قيل ثمان فى ثمان و قيل سبع فى سبع بذراع الكرباس و هى سبع قبضات كل قبضة اربع أصابع و التقدير غير منقول عن ابى حنيفة و لا عن صاحبية. وجه قول ابى حنيفة ان التقدير لم يرد من جهة الشارع و حديث القلتين ضعيف فيجب تفويضه الى رأى المبتلى به. و احتج الشافعي و احمد بحديث القلتين و الحق انه حديث صحيح رواه الشافعي و احمد و الاربعة و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و الدار قطنى و البيهقي من حديث عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر رض بن الخطاب عن أبيه و لفظ ابى داود سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الماء و ما ينوبه من السباع و الدواب فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث و لفظ الحاكم إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شى ء. و فى رواية لابى داود و ابن ماجة فانه لا بنجس قال الحاكم صحيح على شرطهما و قد احتجا بجميع رواته و قال ابن مندة اسناده على شرط مسلم و قد اعترف الطحاوي بصحة الحديث ايضا فان قيل مدار هذا الحديث على الوليد بن كثير فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير و قيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر تارة عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عمر رض و تارة عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر رض قلنا قال الحافظ هذا الاضطراب ليس بقادح فانه على تقدير كون الجميع محفوظا انتقال من ثقة الى ثقة و عند التحقيق الصواب عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر المكبر و عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عمر المصغر و من رواه على غير هذا الوجه فقد و هم و قد رواه جماعة عن الوليد بن كثير على الوجهين قال الدار قطنى القولان صحيحان عن الاسامة عن الوليد و له طريق ثالث رواه الحاكم و غيره من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر سئل ابن معين عن هذا الطريق فقال اسناده جيد فان قيل قد روى لم يحمل خبثا و قد روى لم ينجسه شى ء و قد روى لا يتنجس قلنا هذا مبنى على الرواية بالمعنى و هى صحيحة و الاضطراب فى المتن لا يقال الا عند التعارض فان قيل قد روى بالشك قلتين او ثلاثا روى احمد عن وكيع و الدار قطنى عن يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عمر عن أبيه مرفوعا إذا بلغ الماء قلتين او ثلاثا لم ينجسه شى ء قلنا قال ابن الجوزي قد اختلف عن حماد فروى عنه ابراهيم بن الحجاج و هذبه و كامل بن طلحة فقالوا قلتين او ثلاثا و روى عنه عقان و يعقوب بن إسحاق الحضرمي و بشر بن السرى و العلاء بن عبد الجبار و موسى بن اسمعيل و عبيد اللّه بن موسى العبسي إذا كان الماء قلتين و لم يقولوا ثلاثا و اختلف عن يزيد بن هارون فروى عنه ابن السباح بالشك و روى عنه ابن مسعود رض بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك قلت و يمكن ان يقال ان كلمة او ليس للشك بل للترديد و التخبير و المعنى اى المبلغين بلغ الماء لا يتنجس فلا يتنجس إذا بلغ القلتين كما لا يتنجس إذا بلغ ثلاثا. فان قيل قد روى أربعين قلة رواه الدار قطنى و ابن عدى و العقيلي عن القاسم بن عبد اللّه العمرى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللّه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا بلغ الماء أربعين قلة فانه لا يحمل الخبث قلنا قال احمد المقاسم كان يكذب و يضع الحديث و كذا قال يحيى بن معين و ابو حاتم الرازي و ابو زرعة فلا يضطرب بروايته الحديث الصحيح فان قيل روى الدار قطنى بإسناد صحيح من طريق روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن ابن عمر موقوفا إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يتنجس. و من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر عنه نحوه و من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنكدر عنه نحوه و قول الراوي على خلاف ما رواه طعن الحديث قلنا اولا ان مفهوم الشرط ليس بحجة عند ابى حنيفة مطلقا و كذا عند الشافعي و غيره إذا خرج على طبق السؤال و ثانيا بان القلة لفظ مشترك ليطلق على الكوز و الجرة ايضا صغرت او كبرت فيحمل حديث الأربعين على الصغيرة التي تساوى عشرون منها قلة واحدة كبيرة لدفع التعارض. فان قيل إذا كان القلة لفظا مشتركا بين الجرة و القربة و الدلو و رأس الجبل و غير ذلك قال فى القاموس القلّة بالضم أعلى الرأس و السنام و الجبل او كل شى ء و الجب العظيم و الجرة العظيمة او عامة او من الفخار و الكوز الصغير ضد. و التقييد بقلال هجر لم يثبت فى الحديث الصحيح المرفوع و ما رواه ابن عدى من حديث ابن عمر رض إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شى ء ففى اسناده مغيرة بن صقلان و هو منكر الحديث فلا بد ان يترك العمل بالحديث ما لم يتبين المراد منه كما هو الحكم فى المجمل و من ثم قال الطحاوي هذا حديث صحيح لكنا تركنا العمل به لعدم علمنا بالقلتين قلنا قد ترجح أحد معانيه و هى قلال هجر بوجوه فوجب العمل به لان رأس الجبل و كذا أعلى الرأس و السنام غير مراد بالإجماع لان وصول الماء الى رأس الجبلين فى الارتفاع لا يتصور الا فى البحر المحيط او عند الطوفان و أعلى الرأس و السنام ايضا غير مراد للاجماع علا ان الماء اقل من ذلك القدر يصير كثيرا فوجب الانصراف الى الأواني و بعد الانصراف الى آلاء انى ترجح قلال هجر بوجوه أحدها كثرة استعمال العرب لفظ القلة بهذا المعنى فى أشعارهم كذا قال ابو عبيدة فى كتاب الطهور قال البيهقي قلال هجر كانت مشهورة عندهم و لهذا شبّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما راى ليلة المعراج من سدرة المنتهى فاذا ورقها مثل أذان الفيلة و إذا نبقها مثل قلال هجر. ثانيها ان قلال هجر أكبرها كذا قال الأزهري فجعل الشارع الحد مقدرا بالعدد يدل على ان المراد بها أكبرها لانه لا فائدة فى تقديرها لقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. ثالثها ان الكبيرة ان كانت مرادة فذاك و ان كانت الصغيرة مرادة فعدم تنجس الماء عند البلوغ قدر القلتين الكبيرتين اولى للقطع لوجود الصغيرة فى الكبيرة فحملنا القلتين على الكبيرتين احتياطا و به يحصل التقن و اللّه اعلم فان قيل قد ضعّف حديث القلتين الحافظ ابن عبد البر و العاصي إسماعيل بن اسحق و ابو بكر بن الولي المالكيون قال ابن عبد البر ما ذهب اليه الشافعي مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر لانه حديث تكلم فيه جماعة من اهل العلم و لان القلتين لم يوقف على مبلغهما فى اثر ثابت و الا اجماع قلنا أقوالهم اجمالات للاسولة المتقدمة و لم يقل أحد بتضعيف واحد من رواته فانهم رجال الصحيحين فاذا ظهر لك اجوبة الأسئلة اندفع ما قالوا و اللّه اعلم. (مسئلة):- لا يجوز الوضوء و الغسل بغير الماء من المائعات الطاهرة اجماعا لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا و هل يجوز التطهير من النجاسة الحقيقية بغير الماء من المائعات الطاهرة أم لافعال الجمهور لا يجوز و قال ابو حنيفة يجوز احتج البغوي للجمهور بهذه الاية و قال الطهور فى الاية بمعنى المطهر لما قال فى اية اخرى و ينزّل عليكم من السّماء ماء ليطهّركم فثبت ان التطهير مختص بالماء و لو جاز ازالة النجاسة بها لجاز ازالة الحدث بها. و هذا الاستدلال غير صحيح لان كون الماء مطهرا لا يدل على حصر التطهير فيه كما ان كونه طاهرا لا يدل على حصر الطهارة فيه و الفرق لابى حنيفة فى الأحداث و الأنجاس ان الحدث نجاسة حكمية غير مرئية لا يدركه وجوده و لا زواله الا من الشرع و زواله باستعمال الماء ثابت بالنص و الإجماع و اما باستعمال غير الماء فلم يثبت بنص و لا اجماع و لا يجوز إثباته بالقياس لان الأصل معدول عن سنن القياس- و النجاسة الحقيقية امر مرئى و إزالته بالماء معقول لكونه طاهرا مزيلا فيقاس عليه سائر المائعات لاجل هذا المعنى قلت لكن يرد عليه ان الماء إذا صب على النجس تنجس باول الملاقات فحصول الطهارة بالغسل ثلاثا او سبعا امر تعبدى و بالعصر لا يخرج الماء يجمع اجزائه فكان القياس ان لا يتطهر الثوب و نحوه بالغسل و من ثم كان فى شرائع من قبلنا قطع موضع النجاسة من الثوب و لما كان حصول الطهارة بالغسل ثابتا بالشرع على خلاف القياس فلا يجوز قياس المائعات على الماء. (مسئله) الماء كما يتنجس بورود النجاسة عليه يتنجس بوروده على النجاسة عندنا لان المنجس انما هو اختلاط النجاسة بالماء و لا فرق فى الوجهين. و ذكر ابن الجوزي مذهب احمد ان غسالة النجاسة إذا انفصلت غير متغيرة بعد طهارة المحل فهى طاهرة و كذلك البول على الأرض و نحوه إذا كوثر بالماء و لم يتغير الماء يحكم بطهارة الماء و المكان قال و هو قول مالك و الشافعي و احتج على ذلك بحديث انس رض بن مالك قال كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قاعدا فى المسجد إذ جاء أعرابي قبال فى المسجد فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لرجل من القوم قم فأتنا بدلو من الماء فشنه عليه. رواه احمد و البخاري و مسلم فى الصحيحين و روى البخاري عن ابى هريرة نحوه قلنا هذا الحديث مخالف للقياس الصحيح فهو محمول على انه صلى اللّه عليه و سلم امر بصب الماء بعد نقل التراب من ذلك المكان و رواية بعض الحديث شائع من الصحابة و التابعين و غيرهم و قد روى ذلك بوجوه منها ما روى الدار قطنى من طريق عبد الجبار عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن انس ان أعرابيا بال فى المسجد فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم احفر و إمكانه ثم صبرا عليه ذنوبا من ماء- قال الحافظ رجاله ثقات فان قيل قال الدار قطنى و هم عبد الجبار على ابن عيينة لان اصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عنه عن يحيى بن سعيد و لم يذكروا الحفر قلنا عبد الجبار ثقة و الزيادة من الثقة مقبولة و منها ما رواه الدار قطنى عن ابن مسعود نحوه و سنده ضعيف لكن أحد من رواته لم يتهم بالكذب. و منها ما رواه الدار قطنى و ابو داود عن عبد اللّه بن مغفل بن مقرن المزني قال الدار قطنى عبد اللّه بن مغفل تابعي و رواته ثقات غير ان من رواته جرير بن حازم قال الذهبي ثقة امام تغير قبل موته فحجبه ابنه وهب فما حدث حتى مات قال ابن معين هو فى قتادة ضعيف قلت و هذا الحديث ليس من قتادة بل هو عن عبد الملك بن عمير و عبد الملك ثقة مخرج فى الصحيحين فان قيل قال احمد هذا حديث منكر قلت هذا جرح اجمالى و هو غير مقبول و انما قال ذلك احمد لعدم وقوع الحفر فى الرواية المشهورة و ذا ليس بجرح لان الزيادة من الثقة مقبولة- و منها ما اخرج الطحاوي من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس و كذا روى سعيد بن منصور عن ابن عيينة ان النبي صلى اللّه عليه و سلم قال احفروا مكانه. و هذا ايضا مرسل و المرسل عند ابى حنيفه رح أقوى من المرسل و عند مالك رح و احمد رح دونه لكنه حجة مطلقا و عند الشافعي لا يقبل المرسل الا بأحد امور خمسة ان يسند غيره او يرسله غيره و علم ان شيوخهما مختلفة او يعضده قول صحابى او قول اكثر اهل العلم أو يعلم من حاله انه لا يرسل الا برواية عن عدل و هاهنا مرسل طاءوس صحيح أيده مرسل عبد اللّه بن مغفل و هو حسن و مسند انس رض صحيح او حسن و مسند ابن مسعود ضعيف. فان قيل رواية انس التي فى الصحيحين أقوى و أرجح من تلك الروايات قلنا اولا ان حديث الصحيحين صحيح من حيث السند ضعيف من حيث المعنى لتعارضه بالأحاديث التي تكاد ان تكون مقواترة الدلالة على نجاسة الماء باختلاط النجاسة و ثانيا ان الترجيح انما يعتير عند التعارض و لا تعارض هاهنا بل ما ذكرنا من الأحاديث ناطق. بحفر التراب و حديث انس ساكت عنه فلا يترك العمل بشئ منها. (مسئلة):- الماء المستعمل فى ازالة الحديث او اقامة القرية طاهر عند الجمهور و روى الحسن عن ابى حنيفة انه نجس نجاسة غليظة و روى ابو يوسف عنه انه نجس نجاسة خفيفة لمكان الاختلاف و روى محمد عن ابى حنيفة مثل قول الجمهور و به قال محمد- احتج الحنيفية على نجاسة الماء بالنص و القياس اما النص فما رواه مسلم من حديث ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم و هو جنب- و روى ابو داود بلفظ لا يبولن. أحدكم فى الماء الدائم و لا يغتسل فيه من الجنابة- و النهى للتحريم يدل على تنجس الماء قلنا لا بل النهى للتنزيه لاحتمال تلوث بدن المجنب من المنى غالبا فهو كالنهى. للمستيقظ عن إدخال يده فى الإناء لاحتمال كون اليد نجسا بالنجاسة الحقيقية كما يدل عليه قوله صلى اللّه عليه و سلم فانه لا يدرى اين باتت يده و اما القياس فقياسهم على ما يزيل النجاسة الحقيقية بجامع الاستعمال فى النجاسة. قلنا هذا قياس مع الفارق فان استعمال الماء فى ازالة النجاسة الحقيقية يوجب اختلاط الماء بأجزاء النجاسة و ذلك سبب لتنجس الماء و لا اختلاط فى ازالة النجاسة الحكمية لان الحدث امر حكمى لا يتجزى زوالها فكل ماء استعمل فى عضو من الأعضاء لا يرقع به الحدث بل استعمال الماء فى جميع البدن للمجنب و فى الأعضاء الاربعة كلها للمحدث شرط لزوال الحدث يزول الحدث بعد ذلك فكل جزء من اجزاء ماء الوضوء طاهر فكذا جميعه لان انضمام ما ليس بنجس الى ما ليس بنجس لا يوجب التنجس اجماعا. و استدلوا على تنجس الماء باقامة القربة بقوله صلى اللّه عليه و سلم من توضأ فاحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره متفق عليه عن عثمان و عن ابى هريرة نحوه رواه مسلم قالوا هذا الحديث يدل على ان الخطايا تخرج من بدنه مع الماء و لا شك ان الخطايا قاذورات فيتنجس الماء باختلاطها كما يتنجس باختلاط سائر القاذورات و هذا ليس بشئ فان الخطايا ليست بأجسام و لا اعراض تقوم بالماء و ليست مثل النجاسة الحقيقية من كل وجه و ليس خروجها من البدن كخروج النجاسة الحقيقية حتى يلزم به تنجس الماء بل هو عبارة عن العفو و المغفرة و لو كانت الخطايا قاذورات لما جازت صلوة العصاة من المؤمنين و هى جائزة اجماعا بل هى مكفرة الخطايا قال اللّه تعالى ان الحسنات يذهبن السّيّئات و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الصلوات الخمس و الجمعة الى الجمعة و رمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر- رواه مسلم عن ابى هريرة و حديث ابن مسعود فى رجل أصاب من امراة قبلة فاخبر النبي صلى اللّه عليه و اله و سلم فانزل اللّه و أقم الصّلوة طرفى النّهار الاية متفق عليه و لنا على طهارة الماء المستعمل أحاديث منها حديث جابر قال جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يعودنى و انا مريض لا عقل فتوضا و صبّ وضوءه علىّ فعقلت و قلت يا رسول اللّه انما يرثنى كلالة فنزلت اية الفرائض متفق عليه و منها حديث السائب بن يزيد قال ذهبت بي خالتى الى النّبى صلى اللّه عليه و اله و سلم فقالت يا رسول اللّه ان ابن أختي وجع فدعا بالبركة ثمّ توضا فشربت عن وضوئه فنظرت الى خاتم النبوة بين كتفيه مثل ذر الحجلة. متفق عليه و منها حديث المسور بن مخرمة ذكر فى صلح الحديبية قال فو اللّه ما تتخم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بنخامة إلا وقع فى كف رجل منهم فذلك بها وجهه و صدره و إذا توضا كادوا يقتتلون على وضوئه- رواه البخاري (مسئلة):- ازالة النجاسة الحقيقية بالماء المستعمل فى ازالة الحدث او اقامة القربة جائز اتفاقا الا عند من يقول بكونه نجسا و هل يجوز به الغسل او الوضوء اختلفوا فيه فقال محمد الماء المستعمل فى اقامة القربة لا يجوز به التوضي و الغسل فهو طاهر غير مطهر و قال زفر و الشافعي المستعمل فى ازالة الحدث طاهر غير مطهر و قال ابو حنيفة كل ماء استعمل فى ازالة الحدث او اقامة القربة لا يجوز به التوضي و الاغتسال فهو طاهر غير مطهر- استدلوا على كونه غير مطهر بالنص و القياس أمّا النص فقوله صلى اللّه عليه و سلم لا يغتسل أحدكم فى الماء الراكد قالوا هذا نهى مقتضاه أحد الامرين اما نجاسة الماء بالاستعمال و اما سلب طهوريته لكن الاول لا يتصور فتعين الثاني قلنا ليس الأمر كذلك بل النهى للتنزيه يقتضى احتمال النجاسة بالنجاسة الحقيقية و احتمال النجاسة لا يوجب التنجس فان الطهارة اليقينية لا يزول بالشك و ايضا كون الماء مطهرا وصف لازم للماء المطلق و اما القياس فالقياس على مال الزكوة بجامع اقامة القربة و إسقاط الفرض تقريره ان من المعلوم ان إسقاط الفرض و اقامة القرية يوجب فى الآلة تدنسا لا يصل الى التنجس كما فى مال الزكوة حيث حرّم على الهاشمي و لم يتنجس فكذا يوجب الاستعمال للقربة او إسقاط الفرض تدنسا يسلب عنه وصف التطهير و لا يصل الى التنجس. و الجواب انا لا نسلم ان اقامة القربة او إسقاط الفرض موجب للتدنس مطلقا و حرمة مال الزكوة على الهاشمي امر تعبدى الا ترى ان الجسد و الثوب يتادى بهما الصلاة و يسقط الفرض و يقام القربة و لا يتدنس منها شى ء و كذا الاضحية يسقط بها الواجب و لا يتدنس لحمها حيث أكلها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ايضا كون الماء مطهرا وصف لازم للماء المطلق الطاهر لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا علّق التيمم يفقد الماء المطلق و لا شك ان الماء المستعمل ماء مطلق فلا يجوز التيمّم مع وجوده فيجب به الوضوء لا محالة- فان قيل هو ليس بماء مطلق لان الماء المطلق ما لم يقم به خبث و لا معنى يمنع جواز التوضي به للصلوة فخرج الماء المقيد و الماء المتنجس و الماء المستعمل قلنا اولا انا لا نسلم ان الماء المستعمل قام به معنى يمنع جواز التوضي به فهو مصادرة على المطلوب و ثانيا ان الماء المطلق ما يطلق عليه اللغوي لفظ الماء بلا تقييد و لا شك ان اللغوي لا يفرق عند اطلاق لفظ الماء بين الماء الطاهر و المتنجس الذي لم يتغير أحد أوصافه و المستعمل فى قربة و المستعمل فى تبرد و من ثم قال الزهري إذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم و ليس له وضوء غيره يتوضا به و قال سفيان هذا الفقه بعينه يقول اللّه تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا و هذا ماء ذكره البخاري تعليقا. لكنّا نقول لمّا منع الشارع عن استعمال النجاسات و أمرنا بالاجتناب عنها حيث قال و ثيابك فطهّر و الرّجز فالهجر و قال فى اية الوضوء و لكن يريد ليطهّركم و قال عليه السلام إذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم فلبرقه ثم ليغسله سبع مرات. رواه مسلم عن ابى هريرة و قال عليه السلام من ابتلى منكم بشئ من هذه القاذورات فليستتر بستر اللّه و قال اللّه تعالى يحلّ لكم الطيّبات و يحرّم عليكم الخبائث فمن كان قادرا على الماء المتنجس فهو غير واجد للماء حكما لكونه ممنوعا عن استعماله شرعا كالقاعد على شفير البئر من غير دلو و نحوه ممنوع عن استعمال الماء طبعا فان الطبع يمنعه عن السقوط فى البئر و كذا المريض الواجد للماء منوع عن استعماله طبعا و شرعا فان الممنوع شرعا كالممنوع طبعا و اما الماء المستعمل فليس بواجب الاجتناب عنه شرعا لكونه طاهرا فواجده واجد للماء حقيقة و حكما فلا يجوز له التيمم و يجب عليه الوضوء فثبت ان كون الماء مطهرا لازم لكونه طاهرا. (مسئلة):- إذا وقع فى الماء شى ء طاهر فان لم يتغير به أحد أوصافه و لم يزد على الماء اجزاء جازيه الوضوء اجماعا- و ان تغير به أحد أوصافه او اكثر فان كان الاحتراز عنه متعذرا كالطين و الأوراق فى الخريف جاز به الوضوء اجماعا ما لم يخرجه عن طبع الماء اى رقته كما إذا تغير الماء بطول المكث و ان لم يكن الاحتراز عنه متعذرا كالخل و الزعفران و الأشنان فان تغير به أحد أوصاف الماء لا يجوز به الوضوء عند الشافعي لانه ماء مقيد و الوظيفة عند فقد الماء المطلق التيمم و عند ابى حنيفة رحمه اللّه يجوز به الوضوء الا إذا اختلط الماء جامد أزال رقته او غيّر اكثر أوصافه من الطعم او اللون او الريح كالانبذة او مائع غلب عليه بالاجزاء او غيّر اكثر أوصافه او طبخ فى الماء غيره فغيّره كالمرق و ماء الباقلا الا ما يقصد به النظافة كالاوس و السدر و الأشنان و لا بأس لو تغير الماء باختلاط الطاهر تغييرا يسير المادوى ابن خزيمة و النسائي من حديث أم هانى ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اغتسل هو و ميمونة فى قصعة فيها اثر العجين. و ما روى البخاري عن أم عطية الانصارية قالت دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حين توفيت ابنته فقال اغسلها ثلاثا او خمسا او اكثر من ذلك ان رايتن ذلك بماء و سدر و اجعلن فى الاخرة كافورا و شيئا من كافور. و ما رواه البزار من حديث ابى هريرة ان ثمامة بن أثال اسلم فامره النبي صلى اللّه عليه و سلم ان يغتسل بماء و سدر- و حديث قيس بن عاصم انه اسلم فامره النبي صلى اللّه عليه و سلم ان يغتسل بماء و سدر. |
﴿ ٤٨ ﴾