٧٠

الّا من تاب عن الشرك.

وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً الى قوله تعالى غفورا رحيما و نزلت قل يعبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم الاية قال ابن عباس الّا من تاب من ذنبه و أمن بربه و عمل عملا صالحا فيما بينه و بين ربه

و اخرج البخاري و خيره عن ابن عباس قال لما انزل فى الفرقان و الّذين لا يدعون مع اللّه الها اخر و لا يقتلون النفس الّتى الاية قال مشركوا مكة قد قتلنا النفس بغير الحق و دعونا مع اللّه الها اخر و اتينا الفواحش فنزلت الّا من تاب و

قال البغوي أخبرنا عن ابن عباس قال قرانا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سنتين و الّذين لا يدعون مع اللّه الها اخر الاية ثم نزلت الا من تاب و أمن فما رايت النبي صلى اللّه عليه و سلم فرح بشئ فرحه بها و فرحه بانّا فتحنا لك فتحا مّبينا لّينفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك و ما تاخّر.

فان قيل لا يجوز الاستثناء مفصولا فكيف يقال بنزوله بعد سنتين

قلنا نزلت هذه الاية أول مرة بغير الاستثناء ثم نزلت تلك الآيات مع الاستثناء فهذه الاية ناسخة للاولى فى المقدار المستثنى

فان قيل تقرر فى الأصول ان محل النسخ الاحكام دون الاخبار و هذه الاية اخبار فكيف يمكن نسخه

قلنا عدم جواز النسخ فى الاخبار لعدم احتمال التخلف فيها كيلا يلزم الكذب و اية الوعيد يجوز نسخه لانه إنشاء للوعيد يحتمل التخلف فيه تفضلا و مغفرة هذه الاية تدل على ان الاستثناء من الإثبات نفى و بالعكس كما يدل على ذلك الاستثناء المفرغ و ليس كما قالوا ان المستثنى فى حكم المسكوت عنه و الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا إذ لو كان كذلك لما جاز نسخ المنطوق بالمسكوت و قوله عملا صالحا منصوب على المفعولية او المصدرية فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّه سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فذهب جماعة الى ان المراد ان يمحو اللّه سوابق معاصيهم بالتوبة و ثبت مكانها لواحق طاعتهم او يبدل اللّه فى الدنيا ملكة المعصية فى النفس بملكة الطاعة و يوفقه لاضداد ما سلف منهم من المعاصي و هذا معنى ما قال ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير و مجاهد و الضحاك و السدى يبدل اللّه بقبائح ما عملوا فى الشرك محاسن الأعمال فى الإسلام فيبدل اللّه لهم بالشرك التوحيد و بقتل المؤمنين قتل المشركين المحاربين و بالزنى عفة و احصانا و ذهب جماعة الى ان المراد ان اللّه تعالى يبدل سيئاتهم التي عملوها فى الإسلام حسنات يوم القيامة تفضلا و هو قول سعيد بن المسيب و مكحول و عائشة و ابى هريرة و سلمان رضى اللّه عنهم أجمعين و يؤيده حديث ابى ذر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا صغائر ذنوبه فتعرض عليه صغائرها و تخبأ كبائرها فيقال أعملت كذا و كذا و هو يقرّ ليس ينكر و هو مشفق من الكبائر فيقال أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول ان لى ذنوبا لا أراها هاهنا فلقد رايت رسول اللّه ضحك حتى بدت نواجذه رواه مسلم

و اخرج ابن ابى حاتم عن سلمان قال يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرا أعلاها فاذا يكاد ليسوء ظنه نظر فى أسفلها فاذا حسناته ثم ينظر فى أعلاها فاذا هى قد بدّلت حسنات

و اخرج ايضا عن ابى هريرة رضى اللّه عنه قال ليأتينّ اللّه بناس يوم القيامة ودوا انهم أكثروا من السيئات قيل من هم قال الذين يبدل اللّه سيأتهم حسنات

فان قيل كيف يتصور تبديل السيئة على هذا المعنى بالحسنة و كيف يثاب على السيئة فان السيئة امر مكروه غير مرضى اللّه تعالى فكيف يتصور كونه مرضيّا له تعالى فان اللّه لا يرضى لعباده الكفر و العصيان قلت توجيه ذلك عندى بوجهين أحدهما ان عباد اللّه الصالحين كلما صدر عنهم ما كتب اللّه عليهم من العصيان ندموا غاية الندم و استحقروا أنفسهم غاية الاستحقار و التجئوا الى اللّه تعالى كمال الالتجاء و خافوا عذاب اللّه مع رجاء المغفرة فاستغفروه حتى صاروا مهبطا لكمال الرحمة بحيث لو لم يذنبوا لم يصيروا بهذه المثابة فعلى هذا صار عصيانهم الذي كان سببا للعقاب سببا للثواب و لو بتوسط الندم و التوبة من هاهنا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و الّذى نفسى بيده لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم و لجاء يقوم يذنبون فيستغفرون اللّه و يغفر لهم رواه مسلم من حديث ابى هريرة و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و اله و سلم استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين امة لوسعتهم- و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لخالد بن الوليد حين سبّ الامرأة الغامدية مهلا يا خالد فو الذي نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس «١» لغفر له- رواه مسمر فى قصة ماعز و الغامدية عن بريدة و هذا ما قيل معصية أولها غفلة و آخرها ندامة خير من طاعة أولها عجب و آخرها رؤية ثانيهما ان الغائصين فى بحار المحبة قد يصدر منهم امور لا يتزن بميزان الشرع ككلمات الشح و السماع و الوجد و رهبانية ابتدعوها يجعل اللّه تعالى هذه الأمور الصادرة منهم كلها حسنات لصدورها عن محبة صرفة و من هاهنا قال العارف الرومي مثنوى

(١) قوله صاحب مكسوم اى من يأخذ من التجار إذا مر و امسا اى ضريبه باسم العشر (مجمع البحار) و فيه ان المكس أعظم الذنوب و ذلك لكثرة مطالبات الناس و مظلماتهم و صرفها فى غير وجهها و فى الحاشية المكس لنقصان و للماكس من العمال من ينقص من حقوق المساكين و لا يعطيها بتمامها قالد البيهقي ١٢ الفقير الدهلوي.

هر چه گيرد علتى علت شود كفر گيرد كاملى ملت شود

كار پاكان را قياس از خود مگير گر چه ماند در نوشتن شير شير

او بدل گشت و بدل شد كار او لطف گشت و نور شد هر نار او

و لعل ما ورد فى حديث ابى ذر انه يقال اعرضوا صغائر ذنوبه فيعرض عليه صغائرها و يخبأ عنه كبائرها اشارة الى هذا فان هذه الأمور التي تصدر من الكاملين لغلبة المحبة انما هى بميزان الشرع صغار الذنوب دون كبائرها يجعلها اللّه تعالى لهم حسنات لكونها ناشية من منابع المحبة و اما كبار الذنوب التي صدرن عنهم على سبيل الندرة لما كتب اللّه تعالى صدورها عنهم فيخبأ عنهم و يغفر و يستر و لا يذكر كما أشير اليه بقوله تعالى وَ كانَ اللّه غَفُوراً رَحِيماً يغفر الذنوب جميعا صغائرها و كبائره ا بالتوبة و و بلا توبة قلت لعل قوله تعالى و الّذين لا يدعون مع اللّه الها اخر اشارة الى فناء القلب فان المرء بعد فناء قلبه لا يقصد شيئا غير اللّه و لا يرجوا شيئا الا منه و لا يخاف غيره و كل ما هو مقصود لك فهو معبود لك بل لا يرى غيره موجودا بوجود متاصل و الا له هو الموجود بوجود بوجود متاصل يقتضى ذاته وجوده

فان قيل أ ليس المؤمنون عامه قبل الفناء يعتقدون بان اللّه موجود بوجود يقتضيه ذاته و غيره ليس كذلك قلت بلى يعتقدون ذلك لكن بالاستدلال دون الرؤية و الشهود و يشهد على ذلك بداهة الوجدان و خوفهم و طمعهم من الخلق. و قوله تعالى و لا يقتلون النّفس الّتى حرّم اللّه الّا بالحقّ و لا يزنون اشارة الى فناء النفس و ان النفس الامارة بالسوء إذا فنيت و اطمأنت بمرضاة اللّه تعالى انسلخ عن دواعى العصيان و الدليل على هذه الاشارة وصفهم بهذه الصفات بعد وصفهم بصفات الكمال بقوله وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ الى آخره و لو كان المراد به التوحيد المجازى و التقوى الظاهري لقدم ذلك على الصفات المذكورات فيما سبق.

﴿ ٧٠