٨٧

وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ معطوف على قوله و يوم نحشر عن ابن عمر ان أعرابيا سال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الصور قال قرن ينفخ فيه. رواه ابو داود و الترمذي و حسّنه و النسائي و ابن حبان و الحاكم و عن ابن مسعود نحوه رواه مسدد بسند صحيح و عن زيد بن أرقم قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كيف أنعم و صاحب القرن قد التقم القرن و احنى جبهته و أصغى بالسمع متى يؤمر فسمع بذلك اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فشق عليهم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قولوا حسبنا اللّه و نعم الوكيل- و روى احمد و الحاكم و البيهقي و الطبراني عن ابن عباس رض نحوه و الترمذي و الحاكم و البيهقي عن ابى سعيد نحوه و ابو نعيم عن جابر نحوه

و اخرج سعيد بن منصور و البيهقي عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره و هو صاحب الصور يعنى اسرافيل قال القرطبي علماء الأمم مجمعون على ان ينفخ فى الصور اسرافيل فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة و أرواح المؤمنين وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ من الانس اختلف العلماء فى هذه النفخة هل هى الصعق او غير ذلك فقيل النفخات ثلاث أولها نفخة الفزع تفزع منها الخلائق ثانيتها نفخة الصعق تصعق اى تموت بها الخلائق ثالثتها نفخة البعث فهذه الاية تدل على نفخة الفزع و قوله تعالى وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللّه ثُمَّ نُفِخَ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون تدل على نفخة الصعق و نفخة البعث و هذا اختيار ابن العربي. و قد صرّح بالنفخات الثلاث فى حديث طويل لابى هريرة و سنذكره من قريب. و قيل هما نفختان فقط و نفخة الفزع هى نفخة الصعق قالوا الأمر ان متلازمان اى فزعوا فزعا ماتوا منه و هذا ما صححه القرطبي و استدل بانه استثنى من نفخة الفزع كما استثنى من نفخة الصعق حيث قال اللّه تعالى فيهما إِلَّا مَنْ شاءَ اللّه فدلّ على انهما واحد- و هذا الاستدلال غير صحيح لان الاستثناء منهما بقوله الا ما شاء اللّه لا يدل على اتحاد النفختين و لا على اتحاد المستثنى فيهما و ان كان المستثنى منه فى الكلامين واحد

قال البغوي و اختلفوا فى هذا الاستثناء روى عن ابى هريرة رضى اللّه عنه ان النبي صلى اللّه عليه و سلم سئل عن قوله تعالى إِلَّا مَنْ شاءَ اللّه قال هم الشهداء لانهم احياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم ثم ذكر البغوي قول الكلبي و مقاتل و ذكر الحديث كما سنذكر من بعد لكن قول البغوي بالاختلاف فى هذه الاية مبنى على اتحاد نفخة الفزع و نفخة الصعق و الظاهر انهما متغائران.

فلنذكر الأحاديث و الآثار الواردة فى الاستثناء روى ابو يعلى و الحاكم و صححه و البيهقي عن ابى هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و اله و سلم قال سالت جبرئيل عن هذه الاية وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللّه من الّذين لم يشاء اللّه ان يصعقهم قال هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه قالوا و انما صح استثناء الشهداء لانهم احياء عند ربهم

قال البغوي و فى بعض الآثار الشهداء ثنية اللّه عزّ و جل اى الذين استثناهم اللّه تعالى كذا روى هناذ بن السرى و البيهقي و النحاس فى معانى القران عن سعيد بن جبير فى قوله تعالى الا من شاء اللّه قال هم الشهداء مقلدون السيوف حول العرش و قال الكلبي و مقاتل يعنى جبرئيل و اسرافيل و ملك الموت عليهم السلام و ذلك لما اخرج الفريابي فى تفسيره عن انس قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و نفخ فى الصّور فصعق من فى السّموات و من فى الأرض الّا من شاء اللّه قالوا يا رسول اللّه من هولاء الذين استثنى اللّه قال جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت و اسرافيل و حملة العرش فاذا قبض اللّه أرواح الخلائق قال لملك الموت من بقي قال سبحانك ربى تبارك تباركت و تعاليت ذا الجلال و الإكرام بقي جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و ملك الموت فيقول خذ نفس اسرافيل فياخذ نفس اسرافيل فيقول يا ملك الموت من بقي فيقول سبحانك تباركت و تعاليت ذا الجلال و الإكرام بقي جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت فيقول خذ نفس ميكائيل فيأخذ نفس ميكائيل فيقع كالطود العظيم فيقول يا ملك الموت من بقي فيقول بقي جبرائيل و ملك الموت فيقول مت يا ملك الموت فيموت- فيقول يا جبرائيل من بقي فيقول وجهك الكريم الباقي الدائم و جبرئيل الميت الفاني قال فلا بد من موته فيقع ساجدا يخفق جناحيه قال رسول اللّه صلى اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على ظرب من الظراب.

و اخرج البيهقي عن انس رفعه فى قوله فنفخ فى الصور الاية قال فكان ممن استثنى اللّه ثلاثة جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت فيقول اللّه و هو اعلم يا ملك الموت من بقي فيقول وجهك الباقي الكريم و عبدك جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت فيقول توف نفس ميكائيل فيقول و هو اعلم من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم و عبدك جبرئيل و ملك الموت فيقول توف نفس جبرئيل ثم يقول و هو اعلم يا ملك الموت من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم و عبدك ملك الموت و هو ميت فيقول مت ثم يقول انا بدأت و الخلق ثم أعيده فاين الجبارون المتكبرون فلا يجيبه أحد ثم ينادى لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول هو اللّه الواحد القهار ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ-

و اخرج البيهقي عن زيد بن اسلم قال الذي استثنى اثنا عشر جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و ملك الموت و حملة العرش ثمانية و

قال البغوي يروى انه يقبض روح جبرئيل و ميكائيل ثم روح حملة العرش ثم روح اسرافيل ثم روح ملك الموت

و اخرج البيهقي عن مقاتل بن سليمان يقبض روح ميكائيل ثم روح جبرئيل ثم روح اسرافيل ثم يأمر ملك الموت فيموت.

و اخرج ابو الشيخ فى كتاب العظمة عن وهب قال هؤلاء الاربعة جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و ملك الموت أول من خلقهم اللّه و اخر من يميتهم و أول من يحييهم هم المدبّرات امرا و المقسّمات امرا. قال السيوطي لا تنافى بين هذه الروايات يعنى روايات الاستثناء لامكان الجمع بان الجميع من المستثنى.

قلت الأحاديث و الآثار المذكورة كلها واردة فى بيان الاستثناء الواقع فى نفخة الصعق لا ما وقع فى نفخة الفزع و عندى المستثنى فى نفخة الفزع ما دل عليه قوله تعالى فيما بعد مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ و قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فانه نص فى ان المؤمنين الّذين لا يدخلون النار و يدخلون الجنة لا ينحقهم الفزع لكن عند نفخة الفزع لا يكون من الناس الا الكفار لقوله صلى اللّه عليه و سلم لا تقوم الساعة الا على الأشرار- رواه احمد و مسلم عن ابن مسعود و قوله صلى اللّه عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض اللّه اللّه. رواه احمد و مسلم و الترمذي عن انس و قوله صلى اللّه عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت- رواه عبد الرزاق فى الجامع و قوله صلى اللّه عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن و القران. رواه السنجري عن ابن عمر و يدل على ذلك غيرها من الأحاديث و لهذا حمل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المستثنى على أرواح الشهداء فانهم احياء عند ربهم و اما الملائكة و أرواح الأنبياء عليهم السلام فهم ايضا داخلون فى المستثنى و لا يفزعون البتة و اللّه اعلم روى ابن جرير فى تفسيره و الطبراني فى المطولات و ابو يعلى فى مسنده و البيهقي فى البعث و ابو موسى المديني فى المطولات و على بن معبد فى كتاب الطاعة و العصيان و عبد بن حميد و ابو الشيخ فى كتاب العظمة حديثا طويلا عن ابى هريرة ذكر فيه فينفخ ثلاث نفخات الاولى نفخة الفزع و الثانية نفخة الصعق و الثالثة نفخة القيام لرب العلمين فيأمر اللّه اسرافيل بالنفخة الاولى فيقول اللّه انفخ نفخة الفزع فينفخ فيفزع اهل السماء و الأرض الا من شاء اللّه. الى ان قال فتذهل المراضع و تضع الحوامل و يشيب الولدان و تطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتى أقطار الأرض فتتلقاهم الملائكة فتضرب وجوهها فترجع و تولى الناس مدبرين ينادى بعضهم بعضا و الذي يقول اللّه يوم التّناد الى ان قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و الأموات يومئذ لا يعلمون بشئ من ذلك قلت يا رسول اللّه فمن استثنى اللّه فى قوله الا من شاء اللّه قال أولئك الشهداء و انما يصل الفزع الى الاحياء و هم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وقاهم اللّه من فزع ذلك اليوم و امنهم منه و هو عذاب يبعثه على اشرار خلقه يقول اللّه يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ ءٌ عَظِيمٌ الاية فيمكثون فى ذلك ما شاء اللّه ثم يأمر اللّه اسرافيل بنفخة الصعق فصعق اهل السموات و الأرض الا من شاء اللّه فيقول ملك الموت قد مات اهل السموات و الأرض الا من شئت فيقول و هو اعلم فمن بقي ثم ذكر موت جبرئيل و ميكائيل و حملة العرش و موت ملك الموت نحو ما تقدم من حديث انس ثم ذكر الحديث بطوله الى دخول اهل الجنة الجنة و بقاء اهل الخلود فى النار.

فان قيل هذا الفزع لا يكون الا على شرار خلق اللّه من شياطين الانس و الجن و ليس أحد منهم فى السماء فما معنى قوله تعالى فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ قلت لعل ذلك على سبيل الفرض او يقال ان الشياطين قد يذهبون الى السماء لاستراق السمع او يقال المراد بالسماء السحاب و نحو ذلك فانه قد يطلق السماء على كل ما بفوقك قال اللّه تعالى فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ يعنى سقف بيتك او يقال المراد بمن يفزع من اهل السماء أرواح بعض المؤمنين و يكون المراد بمن سبقت لهم الحسنى الأنبياء و المقربون الصديقون- و اما المستثنى من نفخة الصعق فالقول فيه ما قال صاحب المفهم التحقيق ان المراد بالصعق ما هو أعم من الموت فلمن لم يمت الموت و لمن مات الغشية و هذا من قبيل عموم المجاز و هذه الغشية يعم الأنبياء عليهم السلام الا موسى عليه السلام فانه حصل فيه تردد- روى الشيخان فى الصحيحين و الترمذي و ابن ماجة و اللفظ له عن ابى هريرة قال قال رجل من اليهود بسوق المدينة و الذي اصطفى موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه و قال أ تقول هذا و فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال قال اللّه تعالى وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ فاكون أول من رفع رأسه فاذا انا بموسى أخذ بقائم من قوائم العرش فلا أدرى ارفع راسه قبلى او كان ممن استثنى اللّه و لمّا كان الصعق بمعنى الموت او الغشية يعم الأنبياء فيعم الشهداء بالطريق الاولى و الملائكة ايضا و المستثنى منهم جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و ملك الموت و حملة العرش فانهم لا يموتون بالنفخة و يموتون بعد ذلك كما مرّ فى الأحاديث و اللّه اعلم.

وَ كُلٌّ اى كل واحد من اهل السماوات و الأرض أَتَوْهُ اى حاضرون الموقف بعد نفخة البعث او راجعون الى امره كذا قرا الجمهور بالمد و ضم التاء على صيغة اسم الفاعل

و قرا حفص و حمزة «خلف ابو محمد» مقصورا و فتح التاء على صيغة الماضي و معناه الاستقبال لتحقيق وقوعه عطف على فزع داخِرِينَ صاغرين.

﴿ ٨٧