|
٥٣ قُلْ يا عِبادِيَ الاية قرا ابو عمرو و حمزة و الكسائي «و يعقوب و خلف- ابو محمد» بسكون الياء و حذفها وصلا لاجتماع الساكنين و الباقون بفتحها «١» و اخرج ابن ابى حاتم بسند صحيح عن ابن عباس انها نزلت فى مشركى مكة كذا ذكر البغوي قول عطاء عن ابن عباس و كذا اخرج الطبراني عن ابن عباس بسند ضعيف انه بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الى وحشي قاتل حمزة يدعوه الى الإسلام فارسل اليه كيف تدعونى الى دينك و أنت تزعم انه من قتل او أشرك او زنى يلق أثاما يّضاعف له العذاب يوم القيامة و انا قد فعلت ذلك كله فانزل اللّه تعالى الّا من تاب و أمن و عمل عملا صالحا فقال وحشي هذا شرط شديد لعلى لا اقدر على ذلك فهل غير ذلك فانزل اللّه تعالى انّ اللّه لا يغفر ان يّشرك به فيغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقال وحشي أراني بعد فى شبهة فلا أدرى يغفرلى أم لا فانزل اللّه هذه الاية- زاد البغوي فقال المسلمون هذا له خاصة أم للمسلمين عامة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بل للمسلمين عامة- و اخرج الحاكم عن ابن عمر قال كنا نقول ما للمفتتن توبة إذا ترك دينه بعد إسلامه و معرفته فلمّا قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المدينة انزل فيهم قل يعبادى الّذين أسرفوا الاية- و ذكر البغوي انه روى عن ابن عمر انه قال نزلت هذه الاية فى عيّاش بن ربيعة و الوليد بن الوليد و نفر من المسلمين كانوا قد اسلموا ثم فتنوا و عذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل اللّه من هؤلاء صرفا و لا عدلا ابدا قوم اسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه فانزل اللّه تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بيده ثم بعث بها الى عيّاش بن ربيعة و الوليد بن الوليد و أولئك النفر فاسلموا و هاجروا الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ اى افرطوا بالجناية عليها بالكفر و المعاصي قال البغوي روى عن ابن عمر انه أراد بالإسراف الكبائر لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّه اى لا تيئسوا من مغفرته و تفضله إذا أمنتم و تبتم عن الشرك و هذا القيد ثابت بالإجماع و بقوله تعالى انّ اللّه لا يغفر ان يّشرك به و بالروايات الواردة فى سبب نزول الاية فالمعنى لا تتركوا الايمان اياسا من رحمة اللّه بناء على ما اسرفتم من قبل إِنَّ اللّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (١) و فى الأصل بحذفها و لا شك انه سباق قلم. صغيرها و كبيرها إذا تبتم عن الشرك و أمنتم باللّه وحده فان الإسلام يهدم ما كان قبله- رواه مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و مورد هذه الاية و ان كان خاصا فانها نزلت فى من ارتكب الكبائر فى حالة الشرك ثم اسلم لكن لفظها عام يدل على ان العبد إذا أمن (كما يدل عليه إضافته تعالى العبد الى نفسه بناء على عرف القرآن و ان كان ارتكب الكبائر بعد الإسلام) ليرجو ان يغفر اللّه له ان شاء و ان لم يتب كما يدل عليه قوله تعالى انّ اللّه لا يغفر ان يّشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و التعليل فى هذه الاية بقوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) بصيغة المبالغة و إفادة الحصر و الوعد بالرحمة بعد المغفرة و تقديم ما يستدعى عموم المغفرة مما فى عبادى من الدلالة على الزلة و الاختصاص المقتضيين للترحم و تخصيص ضرر الإسراف بانفسهم و النهى عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة و إطلاقها و تعليله بان اللّه يغفر الذنوب جميعا و وضع اسم اللّه موضع الضمير للدلالة على انه المستغنى و المنعم على الإطلاق و التأكيد بالجمع و الأحاديث الواردة فى هذا الباب و اجماع الامة- روى مقاتل بن حبان عن نافع عن ابن عمر قال كنا معشر اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نرى او نقول ليس شى ء من حسناتنا الا و هى مقبولة حتى نزلت يايّها الّذين أمنوا أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول و لا تبطلوا أعمالكم قلنا ما هذا الذي نبطل اعمالنا فقلنا الكبائر و الفواحش- قال فكنا إذا راينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك فنزلت هذه الاية قل يا عبادى الّذين أسرفوا- فكففنا عن القولين فكنا إذا راينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه و ان لم يصب منها شيئا رجونا له- و روى عن ابن مسعود انه دخل المسجد قاصّ يقصّ و هو يذكر النار و الاغلال فقام على رأسه فقال يا مذكّر لم نقنط الناس ثم قرا قل يا عبادى الّذين أسرفوا عمل أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة اللّه الاية- و عن اسماء بنت زيد قالت سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقرأ يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة اللّه انّ اللّه يغفر الذّنوب جميعا و لا يبالى- رواه احمد و الترمذي و قال هذا حديث حسن غريب و فى شرح السنة يقول بدل يقرا و عن ابى سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال كان فى بنى إسرائيل رجل قتل تسعا و تسعين إنسانا ثم خرج فاتى راهبا فساله فقال ليس لك توبة قال فقتله و جعل يسئل فقال له رجل ايت قرية كذا و كذا فادركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب فاوحى اللّه الى هذه ان تقربى و اوصى الى هذه ان تباعدى فقال قيسوا ما بينهما فوجدوا الى هذه اقرب بشبر فغفر له- متفق عليه و روى مسلم بن الحجاج هذا الحديث و فيه فدلّ على راهب فاتى فقال انه قتل تسعا و تسعين نفسا فهل لى توبة فقال لا فقتله و كمل به مائة ثم سال اعلم اهل الأرض فدل على رجل عالم فقال انه قتل مائة نفسا فهل له توبة فقال نعم و من يحول بينه و بين التوبة انطلق الى ارض كذا و كذا فان بها أناسا يعبدون اللّه فاعبد اللّه معهم فلا ترجع الى أرضك فانها ارض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب فاتاهم ملك فى صورة فجعلوه حكما فقال قيسوا بين الأرضين فالى أيتهما ادنى فهو له فقاسوا فوجدوه ادنى الى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة و عن ابى هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال كان رجل لم يعمل خيرا قط فاوصى لاهله إذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه فى البر و نصفه فى البحر فو اللّه لان قدر اللّه عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين قال فلمّا مات فعلوا ما أمرهم فامر اللّه البحر فجمع ما فيه و امر البر فجمع ما فيه ثم قال له لم فعلت هذا قال من خشيتك يا ربّ و أنت اعلم فغفر له- متفق عليه- و روى البغوي عن ضمضم بن حوش قال دخلت مسجد المدينة فنادانى شيخ فقال يا يمانى (تعال و لا أعرفه) فقال لا تقولن لرجل و اللّه لا يغفر اللّه لك و لا يدخلك الجنة فقلت من أنت يرحمك اللّه قال ابو هريرة قال فقلت و ان هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض لاهله إذا غضب او لزوجته او لخادمه قال فانى سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد فى العبادة و الاخر كان مذنبا فجعل يقول له اقصر عما أنت فيه قال فيقول خلّنى و ربى قال حتى وجده يوما على ذنب استعظمه فقال اقصر فقال خلنى و ربى أ بعثت علىّ رقيبا فقال و اللّه لا يغفر اللّه لك ابدا و لا يدخلك اللّه الجنة ابدا قال فبعث اللّه إليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده قال للمذنب ادخل الجنة برحمتي و قال للاخر ا تستطيع ان تحظر على عبادى رحمتى فقال لا يا رب فقال اذهبوا به الى النار قال ابو هريرة و الذي نفسى بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه و آخرته و روى احمد عن ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين ذكر الحديث الى آخره بعينه و عن ثوبان قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا أحب ان لى الدنيا و ما فيها بهذه الاية يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة اللّه الاية- رواه احمد بسند حسن و ابن جرير و الطبراني فى الأوسط و البيهقي فى شعب الايمان و فيه فقال رجل يا رسول اللّه و من أشرك فنكس ساعة ثم قال الا و من أشرك ثلاث مرات و عن جندب ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حدّث ان رجلا قال و اللّه لا يغفر اللّه لفلان و ان اللّه قال من الذي يتالى علىّ «اى يقسم منه ره» انى لا اغفر لفلان فانى قد غفرت لفلان و احبطتّ عملك- او كما قال رواه مسلم و عن ابن عباس فى قوله تعالى الّا اللّمم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان تغفر اللّهم تغفر جمّا و اىّ عبد لك لا الما- رواه الترمذي و قال هذا حديث حسن صحيح غريب. و فى حديث قدسى طويل عن ابى ذر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم افعل ما أريد عطائى كلام و عذابى كلام انما امرى لشئ إذا أردته ان أقول له كن فيكون- رواه احمد و الترمذي و ابن ماجة و عن ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان اللّه عزّ و جلّ ليرفع الدرجة للعبد الصالح فى الجنة فيقول يا رب انّى لى هذا فيقول باستغفار ولدك لك- رواه احمد و عن ابن عباس قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الميّت فى القبر كالغريق المتغوث ينتظر دعوة يلحقه من اب او أم او أخ او صديق فاذا ألحقته كان أحب اليه من الدنيا و ما فيها و ان اللّه ليدخل على اهل القبور من دعاء اهل الأرض أمثال الجبال و ان هدية الاحياء الى الأموات الاستغفار لهم- رواه البيهقي فى شعب الايمان و عن ابى ذر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان اللّه ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب قالوا يا رسول اللّه و ما الحجاب قال ان تموت النفس و هى مشركة رواه احمد و البيهقي فى كتاب البعث و النشور و عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من لقى اللّه لا يعدل به شيئا فى الدنيا ثم كان عليه مثل جبال ذنوب غفر اللّه له- رواه البيهقي فى كتاب البعث و النشور و عن ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان للّه مائة رحمة انزل منها رحمة واحدة بين الجن و الانس و البهائم و الهوام فبها يتعاطفون و بها يتراحمون و بها يعطف الوحش على ولدها و اخر اللّه تسعة و تسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القي امة- متفق عليه و روى مسلم عن سلمان نحوه و فى آخره فاذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة- و عن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي صلى اللّه عليه و سلم سبى فاذا امراة من السبي قد تحلب ثديها تسعى إذا وجدت صبيّا فى السبي أخذته فالصقته ببطنها و ارضعته فقال لنا النبي صلى اللّه عليه و سلم أ ترون هذه طارحة ولدها فى النار فقلنا لا و هى تقدر على ان لا تطرحه فقال اللّه ارحم بعباده من هذه بولدها- متفق عليه و عن ابى الدرداء انه سمع النبي صلى اللّه عليه و سلم يقص على المنبر و هو يقول و لمن خاف مقام ربّه جنّتان قلت و ان زنى و ان سرق يا رسول اللّه فقال الثانية و لمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثانية و ان زنى و ان سرق يا رسول اللّه فقال الثالثة و لمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثالثة و ان زنى و ان سرق يا رسول اللّه قال و ان رغم انف ابى الدرداء- رواه احمد- و عن عامر الرام قال بينا نحن عنده (يعنى النبي صلى اللّه عليه و سلم) إذ اقبل رجل عليه كساء و فى يده شى ء قد التف عليه فقال يا رسول اللّه مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فاخذتهن فوضعتهن فى كسائى فجاءت امهن فاستدارت على رأسى فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن فلففتهن بكسائى فهن أولاء معى قال ضعهن فوضعتهن و أبت امهن الا لزومهن فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أ تعجبون لرحم أم الافراخ فراخها فو الذي بعثني بالحق للّه ارحم بعباده من أم الا فراخ بفراخها ارجع بهن فضعهن من حيث اخذتهن و امهن معهن فرجع بهن- رواه ابو داود و عن عبد اللّه بن عمر قال كنا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم فى بعض غزواته فمرّ بقوم فقال من القوم قالوا نحن المسلمون و امراة تخضب بقدرها و معها ابن لها فاذا ارتفع و هج تنحت به فاتت النبي صلى اللّه عليه و سلم فقالت أنت رسول اللّه قال نعم قالت بابى أنت و أمي ا ليس اللّه ارحم الراحمين قال بلى قالت أ ليس اللّه ارحم بعباده من الام بولدها قال بلى قالت ان الام لا تلقى ولدها فى النار فاكب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يبكى ثم رفع رأسه إليها فقال ان اللّه لا يعذب من عباده الا المارد المتمرد «الشديد العالي- منه ره» الذي يتمرد على اللّه و الى ان يقول لا اله الا اللّه- رواه ابن ماجة و عن ابى ذر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما من عبد قال لا اله الا اللّه ثم مات على ذلك الا دخل الجنة قلت و ان زنى و ان سرق قال و ان زنى و ان سرق قلت و ان رنى و ان سرق قال و ان زنى و ان سرق قلت و ان زنى و ان سرق قال و ان رنى و ان سرق على رغم انف ابى ذر متفق عليه و فى الباب أحاديث كثيرة تدل على ان مال المؤمن الى الجنة لا كما قالت المعتزلة ان مرتكب الكبيرة ان لم يتب يخلد فى النار- و اما استدلال المرجئة بهذه الأحاديث على ان المعاصي صغائر كانت او كبائر لا يضر مع الايمان كما ان الطاعة لا ينفع مع الكفر فباطل مستلزم لانكار الآيات و الأحاديث الواردة فى المناهي و كون الصغائر و الكبائر مفضية الى التعذيب و السخط من اللّه تعالى الا ان يتداركه المغفرة فالمذهب الحق ما قال اهل السنة و الجماعة رضى اللّه عنهم ان الطاعة لا تنفع مع الكفر لان الطاعة لا يكون طاعة الا إذا كانت خالصة للّه تعالى و الا فهى معصية و الايمان شرط للطاعة كالوضوء للصلوة و اما المعصية فهى و ان كانت فى نفسها مقتضية للتعذيب لكنها فى مشية اللّه تعالى ان شاء غفر له و ان شاء عذبه فان غفر له غفر له اما بالتوبة و اما بشفاعة من النبي صلى اللّه عليه و سلم او من أحد من اتباعه و اما بمحض فضل من اللّه تعالى و ان عذبه لا يكون تعذيبه مؤبدا ان كان المرء مؤمنا لان اللّه تعالى وعد بالثواب على كل حسنة قال اللّه تعالى و من يعمل مثقال ذرّة خيرا يره و الايمان رأس الحسنات و الخلف فى الوعد محال و محل الثواب الجنة لا محالة لكن المؤمن يرى ذنبه كانه قاعد تحت جبل و الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على انفه فقال به هكذا بيده فذبه عنه. رواه البخاري عن النبي صلى اللّه عليه و سلم-. |
﴿ ٥٣ ﴾