٣٣

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ بدل من يوم التناد قال مجاهد يعنى فارّين غير معجزين قيل المراد منه يوم ينفخ فى الصور نفخة الفزع قبل نفخة الصعق لما روى ابن جرير فى المطولات و ابو يعلى فى مسنده و البيهقي فى البعث و عبد بن حميد و ابو الشيخ فى كتاب العظمة عن ابى هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم حديثا طويلا و ذكر فيه ثلاث نفخات قال فيأمر اللّه اسرافيل بالنفخة الاولى فيقول اللّه تعالى انفخ نفخة الفزع فينفخ فيفزع اهل السماوات و الأرض الا ما شاء اللّه فيأمره فيمدها فيطيلها و لا يفتر الى ان قال فتذهل المراضع عمّا أرضعت و تضع الحوامل و تشيب الولدان و تطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتى الأقطار فتتلقتها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع و تولى الناس مدبرين ينادى بعضهم بعضا و هو الذي يقول اللّه يوم التناد الحديث- و قيل المراد يوم القيامة إذا دعى كل أناس بامامهم اخرج ابو نعيم عن ابى حازم الأعرج رضى اللّه عنه انه قال (يخاطب نفسه) يا اعرج ينادى يوم القيامة يا اهل خطيّات كذا و كذا فتقوم معهم ثم ينادى يا اهل خطيّات اخرى فتقوم معهم فاراك يا اعرج تريد ان تقوم مع اهل خطيئة-

و اخرج ابن ابى عاصم فى السنة عن ابن عمر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد الا ليقم خصماء اللّه (و هم القدرية) و إذا ينادى اصحاب الجنة اصحاب النار و اصحاب النار اصحاب الجنة و ينادى اصحاب الأعراف كما حكى اللّه تعالى فى سورة الأعراف و إذا ينادى بالسعادة و الشقاوة الا ان فلان ابن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها ابدا الا ان فلان بن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها ابدا- اخرج البزار و البيهقي عن انس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتى الميزان و يوكّل به ملك فان ثقلت موازينه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها ابدا و ان خفت موازينه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها ابدا- و إذا ينادى الا انى جعلت نسبا و جعلتم نسبا اخرج الطبراني فى الأوسط عن ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا كان يوم القيامة امر اللّه مناديا ينادى الا انى جعلت نسبا و جعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فابيتم الا ان تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان فاليوم ارفع نسبى و أضع نسبكم اين المتقون.

و إذا ينادى حين يذبح الموت يا اهل الجنة خلود و لا موت و يا اهل النار خلود و لا موت- اخرج الشيخان فى الصحيحين عن ابن عمر قال قال النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا صار اهل الجنة الى الجنة و اهل النار الى النار جئ بالموت حتى يجعل بين الجنة و النار ثم يذبح ثم ينادى منادى يا اهل الجنة لا موت و يا اهل النار لا موت فيزداد اهل الجنة فرحا الى فرحهم و اهل النار حزنا الى حزنهم- و عن ابى سعيد نحوه و عند الحاكم و ابن حبان عن ابى هريرة نحوه-

و قرا ابن عباس و الضحاك يوم التّناد بتشديد الدال اى يوم التنافر و ذلك لانهم هربوا فندوا فى الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها. اخرج ابن جرير و ابن المبارك عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة امر اللّه السماء الدنيا فتشققت باهلها فتكون الملائكة على حافتها حين يأمرهم الربّ فينزلون فيحيطون بالأرض و من عليها ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فصفوا صفّا دون صف ثم ينزل الملك الأعلى بجنبته اليسرى جهنم فاذا راها اهل الأرض ندّوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض الا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فرجعوا الى المكان الذي كانوا فيه و ذلك قول اللّه تعالى انّى أخاف عليكم يوم التّناد يوم تولّون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم و ذلك قوله تعالى و جاء ربّك و الملك صفّا صفّا و جيئ يومئذ بجهنّم و قوله تعالى يا معشر الجنّ و الانس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السّموات و الأرض فانفذوا و قوله تعالى و انشقّت السّماء فهى يومئذ واهية و الملك على أرجائها يعنى ما تشقق منها فبينما كذلك إذا سمعوا الصوت فاقبلوا الى الحساب و قيل معنى قوله تعالى يوم تولّون مدبرين يوم تولون منصرفين عن موقف الحساب الى النار ما لَكُمْ مِنَ اللّه مِنْ عاصِمٍ يعصمكم من عذابه يعنى غير اللّه لا يقدر على دفع عذاب اللّه قطعا و انما يدفع عذاب اللّه رحمته و لا يكون لهم من اللّه رحمة تعصمهم من عذابه وَ مَنْ يُضْلِلِ اللّه اى يضله عن طريق الجنة فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) اليه.

﴿ ٣٣