٣٠

إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّه اعترافا بربوبيته و إقرارا بوحدانيته ثُمَّ اسْتَقامُوا اى التزموا المنهج المستقيم قال المحلى نزلت فى ابى بكر الصديق و ثم لتراخيه عن الإقرار فى الرتبة و المراد بالاستقامة الاعتدال و عدم الزيغ و الانحراف عن الحق بوجه من الوجوه لا فى الاعتقاد و لا فى الأخلاق و لا فى الأعمال قال فى القاموس استقام اعتدل و قومته عدلته فهو قويم و مستقيم و منه الصراط المستقيم للطريق السوي الذي يوصل سالكه الى المطلوب البتة. فالاستقامة لفظ مختصر شامل لجميع الشرائع من الإتيان بالمأمورات و الاجتناب عن المنهيات على سبيل الدوام و الثبات و من هاهنا أجاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سفيان بن عبد اللّه الثقفي حين قال يا رسول اللّه قل لى فى الإسلام قولا لا اسئل عنه أحدا بعدك و فى رواية غيرك قال قل امنت باللّه ثم استقم- رواه مسلم

قال البغوي سئل ابو بكر الصديق عن الاستقامة فقال ان لا تشرك باللّه شيئا «١» و قال عمر بن الخطاب الاستقامة ان تستقيم على الأمر و النهى و لا تروغ روغان الثعالب و قال عثمان بن عفان أخلصوا العمل للّه و قال علىّ أدوا الفرائض و قال ابن عباس استقاموا على أداء الفرائض و قال

(١) روى عن ابى بكر الصديق انه قال ما تقولون فى هاتين الآيتين انّ الّذين قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا و الّذين أمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم قالوا الّذين قالوا ربّنا اللّه ثم عملوا بها و استقاموا على امره فلم يذنبوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم لم يذنبوا قال لقد حملتموها على امر شديد الّذين أمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم نقول بشرك و الّذين قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا فلم يرجعوا الى عبادة الأوثان- كذا فى ازالة الخفا للشيخ ولى اللّه المحدث و روى النسائي و البزار و ابو يعلى و غيرهم عن انس قال قرا علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم هذه الاية انّ الّذين قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا قد قالها ناس من الياس (ثم كف أكثرهم فمن قالها حين يموت فهو ممّن استقام علما ١٢ منه رحمه اللّه).

الحسن استقاموا على امر اللّه فاعملوا بطاعته و اجتنبوا معصيته

و قال مجاهد و عكرمة استقاموا على شهادة ان لا اله الّا اللّه حتى تلحقوا باللّه و قال مقاتل استقاموا على المعرفة فلم يرتدوا- فكلها عبارات عما ذكرنا فان قول عمر ليستقيم على الأمر و النهى و لا تروغ روغان الثعالب و قول على و ابن عباس و كذا قول الحسن شامل لجميع ما فرض اللّه إتيانه او الاجتناب عنه فى العقائد و الأخلاق و الأعمال- و قول ابى بكر لا تشرك باللّه شيئا و قول عثمان أخلصوا للّه العمل بيان لعدم الرياء و السمعة فى شى ء من الأعمال و هو المعنى من قول مجاهد و عكرمة- فالاستقامة لا تتصور بدون فناء القلب و النفس و حصول المعرفة باللّه على ما اصطلح عليه الصوفية و ذلك قول مقاتل و قال قتادة كان الحسن إذا تلا هذه الاية قال اللّهم أنت ربّنا فارزقنا الاستقامة و كان الحسن رأس الصوفية ينتهى اكثر السلاسل اليه- تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت كذا قال ابن عباس و قال قتادة و مقاتل إذا قاموا من قبورهم و قال وكيع بن الجراح البشرى يكون فى ثلاثة مواطن عند الموت و فى القبر و عند البعث أَلَّا تَخافُوا ان مفسرة لان تتنزّل عليهم يتضمن معنى الوحى الذي فيه معنى القول او مخففة من الثقيلة اسمه ضمير الشأن او مصدرية يعنى لا تخافوا على ما تقدمون عليه من امر الاخرة كذا قال مجاهد وَ لا تَحْزَنُوا على ما خلفتم من اهل و ولد فانا نخلفكم فى ذلك فالخوف غم يلحق لتوقع مكروه و الحزن غم يلحق لوقوعه فى مكروه من فوات نافع او حصول ضار و قال عطاء بن ابى رباح لا تخافوا و لا تحزنوا على ذنوبكم يعنى لا تخافوا العقاب و لا تحزنوا على صدور العصيان فان اللّه يغفرها لكم وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) فى الدنيا على لسان الرسل اخرج ابو نعيم عن ثابت البناني انه قرا حم السجدة حتى بلغ الى قوله تتنزّل عليهم الملائكة فقال بلغنا ان العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان الذان كانا معه فى الدنيا فيقولان لا تخف و لا تحزن و ابشر بالجنة التي كنت توعد قال فيأمن اللّه خوفه و يقر عينه.

﴿ ٣٠