|
١٥ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ اللام للعهد و المراد به ابو بكر الصديق رضى اللّه عنه روى عن ابن عباس ان الاية نزلت فى ابى بكر و هو المروي عن على رضى اللّه قال نزلت فى ابى بكر اسلم أبواه جميعا و لم يجتمع من المهاجرين أبواه فى الإسلام غيره و قال السدىّ و الضحاك نزلت فى سعد بن ابى وقاص و قد ذكرنا قصته فى تفسير سورة العنكبوت و قيل اللام للجنس و ان كان نازلا فى ابى بكر او سعد و ذلك لا يقتضيه سياق الاية كما سنشير اليه بِوالِدَيْهِ متعلق بمحذوف اى ان يحسن بوالديه و هما ابو قحافة عثمان بن عمر و أم الخير بنت الخير بن الصخر بن عمر إِحْساناً كذا قرا الكوفيون من الافعال فهو منصوب على المصدرية و قرا الباقون حسنا من المجرد فهو بدل اشتمال لقوله بوالديه منصوب على محله حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً اى ذات كره فهو حال من فاعل حملته او حملا ذاكره فهو مصدر و هو المشقة قرا اهل الحجاز و هشام و ابو عمرو بفتح الكاف فى الموضعين و الباقون بضمها و هما لغتان و قيل المضموم اسم و المفتوح مصدر وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً جملتان معترضتان فى مقام التعليل للامر بالإحسان و فيه اشعار بمزية استحقاق الام فى الإحسان قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم صل امّك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فادناك- و قد مر الحديث فى سورة العنكبوت- وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ و هو الفطام و المراد به الرضاع تسمية الملزوم باسم اللازم و قرا يعقوب و فصله و هما بتقدير المضاف مبتدا بعده خبره اى مدة حمله و رضاعه ثَلاثُونَ شَهْراً معترضة اخرى لبيان شدة المشقة فى مدة طويلة يستدل بهذه الاية على ان اقل مدة الحمل ستة «١» أشهر لقوله تعالى و فصاله فى عامين فانه إذا ذهب منها (١) عن قتادة عن ابى الحرب بن ابى الأسود الدؤلي قال رفعت الى عمر امراة ولدت بستة أشهر فسال عنها اصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال على لا رجم عليها الا ترى انه تعالى يقول و حمله و فصاله ثلاثون شهرا و قال و فصاله فى عامين فكان الحمل منها ستة أشهر فتركها عمر ثم بلغنا انها ولدت اخر بستة أشهر و عن نافع بن جبير ان ابن عباس أخبره انى لصاحب المرأة التي اتى بها عمر وضعت لستة أشهر فانكر الناس ذلك قلت لعمر كيف تظلم قال كيف قلت اقرأ و حمله و فصاله ثلاثون شهرا و الوالدات يرضعن اولادهنّ حولين كاملين قلت كم الحول قال سنة قلت كم السنة قال اثنا عشر شهرا قلت و اربعة و عشرون شهرا حولان كاملان و يؤخر اللّه من الحمل ما شاء و يقدم فاستراح عمر الى قوله- و عن ابى عبيدة مولى عبد الرحمان بن عوف قال رفعت امراة الى عثمان ولدت لستة أشهر فقال عثمان قد رفعت الىّ امراة ما أراها الا جاءت بشر فقال ابن عباس إذا كملت الرضاعة كان الحمل ستة ١٤ شهر اقرأ و حمله و فصاله ثلاثون شهرا فدرأ عثمان عنها- منه نور اللّه مرقده-. عامين بقي للحمل ستة أشهر و عليه اتفق الائمة فى أفل مدة الحمل و اختلفوا فى أكثرها فقال ابو حنيفة سنتان و عن مالك روايات اربع سنين و خمس سنين و سبع سنين و قال الشافعي اربع سنين و عن احمد روايتان المشهور كمذهب الشافعي و الاخرى كمذهب ابى حنيفة. وجه قول ابى حنيفة قول عائشة الولد لا يبقى فى بطن امه اكثر من سنتين و لو بقدر فلكة مغزل و فى رواية و لو بقدر ظل مغزل- قال و مثله لا يقال الا سمعا إذا المقدرات لا تدرك بالرأى قلت يحتمل ان يكون قولها على تقدير الصحة مبنيّا على التجربة فى جريان العادة كقول مالك و الشافعي قلت و الاستدلال بهذه الاية على اقل مدة الحمل مبنى على كون اللام فى الإنسان للجنس و ان كان للعهد فلا لانها حينئذ بيان لواقعة حال- و الاستدلال بهذه الاية على مذهب ابى حنيفة ان مدة الرضاع ثلاثون شهرا لا يجوز و قد مرّ الكلام فيه و فى غيرها من مسائل الرضاع فى سورة النساء فى تفسير قوله تعالى و امّهاتكم اللّاتى أرضعنكم روى عن عكرمة عن ابن عباس فى تفسير هذه الاية انه قال إذا حملت المرأة تسعة أشهر ارضعته أحد و عشرين شهرا و إذا حملت ستة أشهر ارضعته اربعة و عشرين شهرا و اللّه اعلم حَتَّى إِذا بَلَغَ متعلق بفعل محذوف معطوف على وضعته تقديره و ربّياه حتّى إذا بلغ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عطف على بلغ يعنى و بلغ كمال عقله كان ابو بكر صحب النبي صلى اللّه عليه و سلم و هو ابن ثمانى عشرة سنة و ذلك بلوغ الأشد و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم حينئذ ابن عشرين سنة فى تجارته الى الشام فلمّا بلغ أربعين سنة أمن بالنبي صلى اللّه عليه و سلم و دعا ربه و قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي قرأ ورش و البزي بفتح الياء و الباقون بإسكانها و المعنى الهمنى و قيل معناه الكف اى اجعلنى بحيث أزع نفسى يعنى اكفه من الكفران أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ الهداية للاسلام او ما يعمه و غيره وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ نكر صالحا للتعظيم او لانه أراد نوعا من الجنس يستجلب رضاء اللّه قال ابن عباس فاجابه اللّه تعالى فاعتق تسعة من المؤمنين يعذبون فى اللّه و لم يرد شيئا من الخير الا أعانه اللّه عليه و دعا ايضا وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فاجابه اللّه فلم يكن له ولد الا أمنوا جميعا فاجتمع له اسلام أبويه و أولاده جميعا كذا قال ابن عباس و أدرك ابو قحافة صحبة النبي صلى اللّه عليه و سلم و ابنه ابو بكر و ابنه عبد الرحمان بن ابى بكر و ابن عبد الرحمان ابو عتيق و لم يكن ذلك لاحد من الصحابة إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ عن الكفر و عن كل ما لا يرضاه اللّه او يشغل عنه وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) المخلصين قوله حتّى إذا بلغ الى آخره دليل على ان اللام فى الإنسان للعهد فانه لو كان للجنس لا يستقيم ذلك لان تأخير النعمة القديمة الى بلوغ أربعين سنة لا يجوز فالاية حكاية عن الواقع فانه رضى اللّه عنه أمن و هو ابن أربعين سنة و المعتبر من الشكر ما كان بعد الايمان- فان قيل المروي ان أباه أبا قحافة اسلم يوم الفتح و كان ابو بكر حينئذ ابن ستين سنة و كان نزول الاية قبل الهجرة لان السورة مكية و حين بلغ ابو بكر أربعين سنة كان ابو قحافة كافرا فكيف يوصى اللّه بالإحسان به و كيف يقول ابو بكر أنعمت علىّ و على والدىّ قلنا قد روى ان أبا بكر اسلم و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة و اسلم أبواه بعد ذلك بسنتين و كان ابو بكر حينئذ ابن أربعين سنة فلعل هذه الرواية هى الصحيحة و على تقدير نزول الاية بمكة و اسلام ابى قحافة بعد الفتح قلنا الوصية بالإحسان للوالدين الكافرين ايضا جائزة قال اللّه تعالى فى سورة العنكبوت و وصّينا الإنسان بوالديه حسنا و ان جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و المراد حينئذ بنعمتك أنعمت علىّ ما يعم نعمة الدين و الدنيا و اللّه اعلم قلت و على تقدير كون اللام للجنس يقال معنى الاية انه إذا بلغ الإنسان أشده يعنى بلغ مبلغ الرجال شكر اللّه تعالى على كمال جسده ثم إذا بلغ أربعين سنة شكر اللّه سبحانه على كمال عقله و اللّه اعلم .. |
﴿ ١٥ ﴾