٣٩

وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى اى الا سعيه يعنى كما لا يوخذ أحد بذنب غيره لا يثاب بفعل غيره ايضا عطف على ان لا تزر كلا الحكمين كانا فى صحف ابراهيم و موسى و مستدلا بهذه الاية قال الشافعي لا يثاب أحد بعمل غيره و قال ابو حنيفة و مالك و احمد و جمهور الخلف و السلف بخلاف ذلك فقال ابن عباس الاية منسوخة بقوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ و قال عكرمة انها خاصة بقوم ابراهيم و موسى فاما هذه الامة فلها ما سعت و ما سعى لها- و قال الربيع بن انس المراد بالإنسان هاهنا الكافر و هذا ليس بشى ء فان الكافر لا يثاب بعمل نفسه ايضا حيث قال اللّه تعالى حبطت أعمالهم و قيل اللام هاهنا بمعنى على اى ليس على الإنسان الا ما سعى و على هذا بكون عطف لا تزر وازرة وزر اخرى عطفا تفسير يا احتج الجمهور على وصول الثواب من غيره بالأحاديث و الإجماع اما الأحاديث فمنها حديث ابى سعيد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول إذا قبض اللّه روح عبده المؤمن صعد ملكان الى السماء قالا ربنا و كلتنا بعهدك المؤمن نكتب عمله و قد قبضته إليك فاذن لنا ان نسكن الأرض فيقول ارضى مملوة من خلقى يسبحون و لكن قوما على قبر عبدى فسبحانى و هللانى و كبرانى الى يوم القيامة و اكتباه لعبدى أخرجه ابو نعيم- و حديث ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له رواه مسلم و كذا اخرج احمد عن ابى امامة وجه الاحتجاج بهذا الحديث ان الصدقة الجارية و علم ينتفع به و ان كانا من سعيه و لكن دعاء الولد ليس من عمله و هو ينفعه و حديث ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان اللّه ليرفع الدرجة للعبد الصالح فى الجنة فيقول يا رب انى لى هذه فيقول باستغفار ولدك لك رواه الطبراني و روى نحوه عن ابى سعيد مرفوعا و حديث ابن عباس قال قال النبي صلى اللّه عليه و سلم ما الميت فى قبره الا شبه الغريق المتفوت ينتظر دعوة ملحقة من اب و أم او ولد او صديق ثقة فاذا ألحقته كانت أحب اليه من الدنيا و ما فيها و ان اللّه ليدخل على القبور من دعاء اهل الأرض أمثال الجبال و ان هدية الاحياء الى الأموات الاستغفار لهم رواه البيهقي و الديلمي و حديث مرفوعا أمتي امة مرحومة تدخل قبورها بذنوبها و تخرج من قبورها لا ذنوب عليها يمحض عنها باستغفار المؤمنين لها رواه الطبراني فى الأوسط قال السيوطي و قد نقل غير واحد الإجماع على ان الدعاء ينفع الميت و دليله من القران قوله تعالى وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ قلت و الظاهران انتفاع الأموات و الاحياء بدعاء الاحياء غير مختصة بهذه الامة و قد قال نوح عليه السلام رب اغفر لى و لوالدى و لمن دخل بيتي مومنا و للمؤمنين و المؤمنات و قال ابراهيم عليه السلام ساستغفر لك ربى انه كان بي حفيا و قال يوسف لاخوته لا تثريب عليكم اليوم ليغفر اللّه لكم قال اخوة يوسف لابيهم يا أبت استغفر لنا ذنوبنا انا كنا خاطئين قال سوف استغفر لكم ربى انه هو الغفور رّحيم و قال موسى رب اغفر لى و لاخى و أدخلنا فى رحمتك فالظ ان المراد بقوله تعالى وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى المذكور فى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى انه لا يصل لاحد ثواب حسنات غيره من الصلاة و الصوم و الصدقة و الحج و نحو ذلك و يكون من خصوصيات هذه الامة المرحومة نسخ ذلك الحكم بقوله الحقنا بهم ذريتهم من الأحاديث حديث عائشة ان رجلا قال يا رسول اللّه ان أمي افتلتت نفسها لم توص و أظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجران تصدقت عنها قال نعم متفق عليه و حديث ابن عباس ان سعد بن عبادة توفيت امه و هو غائب فاتى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال يا رسول اللّه ان أمي ماتت و انا غائب فهل ينفعها ان تصدقت عنها قال نعم قال فانى أشهدك ان حايطى صدقة عنها رواه البخاري

و اخرج احمد و اربعة عن سعد بن عبادة انه قال يا رسول اللّه ان أمي ماتت فاى صدقة أفضل قال الماء فحفر بيرا و قال هذه لام سعد

و اخرج الطبراني بسند صحيح عن انس نحوه و حديث ابن عمر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا تصدق أحدكم بصدقة تطوعا فليجعلها عن أبويه فيكون لهما أجرها و لا ينقص من اجره شيئا

و اخرج الديلمي نحوه من حديث معاوية بن جندة و حديث انس سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول ما من اهل بيت يموت منهم فيتصدقون عنه بعد موته الا اهدا له جبرئيل على طبق من نور ثم يقف على شفير القبر فيقول يا صاحب القبر العميق هذه هدية أهداها إليك أهلك فاقبلها فيدخل عليه فيفرح بها و يستبشر و يحزن جيرانه الذين لا يهدى إليهم شى ء رواه الطبراني فى الأوسط و حديث ابن عمر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من حج عن والديه بعد وفاتهما كتب اللّه لهما عتقا من النار و كان للمحجوج عنهما اجر حجة تامة من غير ان ينقص من اجورهما شى ء و قال صلى اللّه عليه و سلم ما وصل ذو رحم رحمه بأفضل من حجة يدخلها عليه بعد موته فى قبره رواه البيهقي و الاصبهانى بسند فيه مجهولان و عن زيد بن أرقم عن النبي صلى اللّه عليه و سلم من حج عن أبويه و لم يحجا فيرى عنهما و بشرت أرواحهما فى السماء و كتب عند اللّه بزا أخرجه ابو عبد اللّه الثقفي و حديث عقبة بن عامر ان امرأة جاءت الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقالت أحج عن أمي و قد ماتت قال ارايت لو كان على أمك دين فقضيته قالت بلى فامرها ان تحج رواه الطبراني و حديث انس قال جاء الى النبي صلى اللّه عليه و سلم قال ان ابى مات و لم يحج حجة الإسلام فقال ارايت لو كان على أبيك دين كنت تقضيه عنه قال نعم قال فانه دين عليه فاقضبه رواه البزاز و الطبراني بسند حسن و حديث ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من حج عن ميت فللذى حج عنه مثل اجره رواه الطبراني فى الأوسط و حديث عطاء و زيد ابن اسلم مرسلا قال جاء رجل الى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال يا رسول اللّه أعتق عن ابى و قد مات قال نعم رواهما ابن ابى شيبة و حديث ابن عباس انه صلى اللّه عليه و سلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال النبي صلى اللّه عليه و سلم و من شبرمة قال أخ لى او قريب قال أ حججت عن نفسك قال لا قال حج عن نفسك ثم من شبرمة رواه ابو داود و ابن ماجة و الدارقطني و البيهقي و قال البيهقي اسناده صحيح و حديث عمرو بن العاص انه قال يا رسول اللّه ان العاص اوصى ان يعتق عنه بامه نسمة فاعتق هشام منها خمسين قال لا انما يتصدق و يحج و يعتق عن المسلم و كان مسلما بلغه رواه ابو الشيخ و حديث الحجاج بن دينار قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان من البر بعد البر ان تصلى عنهما مع صلوتك و تصوم عنهما مع صيامك و تصدق عنهما مع صدقتك رواه ابن ابى شيبة و قد مر حديث بريدة ان امرأة قالت يا رسول اللّه ان كان على أمي صوم شهرين أ فيجزى ان أصوم عنها قال نعم قالت فان أمي لم تحج قط أ فيجزى ان أحج عنها قال نعم رواه مسلم و حديث عائشة قالت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من مات و عليه صيام صام عنه وليه متفق عليه و حديث على رض مرفوعا من مر على المقابر

و قرا قل هو اللّه أحد أحد عشر مرة و وهب اجره للاموات اعطى من الاجر بعدد الأموات رواه ابو محمد السمرقندي و حديث ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من دخل المقابر ثم قرا فاتحة الكتاب و قل هو اللّه أحد و إلهكم التكاثر ثم قال انى جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لاهل المقابر من المؤمنين و المؤمنات كانوا شفعاء له الى اللّه رواه ابو القاسم سعد بن على و حديث انس ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال من دخل المقبر فقرأ سورة يسين خفف اللّه عنهم و كان له بعدد من فيها حسنات أخرجه عبد العزيز صاحب الخلال بسنده و قال السيوطي قد ورد قرائة الفاتحة عند راس الميت و خواتيم البقر عند رجله من حديث ابن عمر مرفوعا وقت الدفن و فواتح البقرة و خواتمها عن حديث العلاء بن اللجلاج مرفوعا و قال القرطبي فى حديث اقرءوا على موتاكم يس فقال الجمهور فى حال موته قال ابن عبد الواحد المقدسي عند القبور و قال المحب الطبري فى الحالتين

و اخرج ابن ابى شيبة عن عطاء قال يتبع بعد موته العتق و الحج و الصدقة

و اخرج عن ابى جعفر ان الحسن و الحسين كان يعتقان عن على بعد موته

و اخرج ابن سعد عن القاسم بن محمد عن عائشة اعتقت عن أخيها عبد الرحمن رقيقا من تلاده ترجوا ان ينفعه بذلك بعد موته و قال الحافظ شمس الدين ابن عبد الواحد ما زالوا فى كل مصر يجتمعون و يقرؤن لموتاهم من غير نكير فكان ذلك اجماعا

و اخرج

و اخرج الخلالى عن الشعبي كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا الى قبره يقرؤن القران و فى الاحياء عن احمد بن حنبل قال إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب و المعوذتين و قل هو اللّه أحد و اجعلوا ذلك لاهل المقابر فانه يصل إليهم و

قال البيضاوي فى توجيه الاية انه ما جاء فى الاخبار من ان الصدقة و الحج ينفعان الميت فلان التاوي له كالتائب عنه و قال بعض العلماء فى توجيهها ان انتفاع المؤمن بسعى غيره مبنى على إيمانه و هو سعى نفسه فكان سعى غيره تابعا لسعى نفسه قايما بقيامه و اللّه تعالى اعلم.

﴿ ٣٩