|
٢٠ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى اى اقرب مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ قرأ هشام بسكون اللام و الباقون بضمها وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ قرأ ابن كثير و الكوفيون بنصبهما عطفا على ادنى يعنى تقوم اقرب من الثلثين و تقوم النصف و تقوم الثلث و الباقون بجرهما يعنى اقرب من النصف و من الثلث و هذه القراءة يدل على القيام اقل من الثلث فوق الربع و انما قلنا فوق الربع لما ذكرنا فيما قبل ان قوله تعالى او انقص منه قليلا يقتضى ان يكون القيام فوق الربع وَ طائِفَةٌ عطف على فاعل تقوم مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ط اى جماعة أصحابك يقومون على ذلك المقدار اقتداء لسنتك كذا قال البيضاوي و قال البغوي فى تفسيره يعنى المؤمنين كانوا يقومون معه و هذا التأويل بعيد جدا فان الذين معه هم المؤمنون دون الكفار كما فى قوله نظر محمد رسول اللّه و الذين معه فكلمة من للتبعيض يدل على ان القائمين كانوا بعض الصحابة دون كلهم وَ اللّه يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عطف على ان ربك و فيه وضع المظهر موضع المضمر تقديره و هو يقدر الليل و النهار اى يعلم مقاديرهما كما هى و أنتم لا تعلمون كما هى قال البيضاوي تقديم اسم اللّه مبتداء مبنيا عليه يقدر يشعر بالاختصاص و هى مذهب عبد القاهر و الزمخشري دون السكاكي عَلِمَ أَنْ مخففة و اسمها ضمير الشان محذوف لَنْ تُحْصُوهُ اى تقدير الأوقات و لن تستطيعوا ضبط الساعات و من ثم ربط وجوب الصلاة الخمس بامور ظاهرة كطلوع الصبح و الشمس و زوالها و غروبها و قدر الظل و غروب الشفق فَتابَ عَلَيْكُمْ اى رجع عليكم من التشديد الى التخفيف فاسقط عنك ذلك القدر كيلا يشق على أمتك التأسي به فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ط الفاء للسببية و معناه صلوا ما تيسر من الصلاة بالليل عبر عن الصلاة بالقراءة هاهنا كما عبر بالقيام فيما سبق تسمية الكل باسم الجزء فهذه الاية يقتضى كون القراءة ركنا للصلوة كما تقتضى تلك الاية بركنية القيام و على هذا العقد الإجماع ايضا فهذه الآية نسخ قيام الليل ذلك المقدار و بقي مطلق القيام بالليل واجبا ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس فصار تطوعا بعد فريضة يدل على ذلك ما ذكر من قول عائشة رض و ابن عباس رض و مقاتل و ابن كيسان قلت على تقدير كون القيام بالليل واجبا فى الابتداء على النبي صلى اللّه عليه و سلم و على أمته فكون ذلك منسوخا فى حق أمته امر مجمع عليه و اما كونه منسوخا فى حق النبي صلى اللّه عليه و سلم سواء كان فى الابتداء واجبا عليه خاصة او عليه و على أمته عامة فقد اختلف فيه فقيل لم ينسخ فى حق النبي صلى اللّه عليه و سلم بل كان قيام الليل واجبا عليه صلى اللّه عليه و سلم خاصة الى اخر عمره و قيل بل نسخ عنه صلى اللّه عليه و سلم ايضا و كان عليه الصلاة نافلة و هو الصحيح المختار عندى و يدل عليه قوله تعالى و من الليل فتهجد به نافلة لك فانه صريح فى كونه نافلة فان قيل معنى النافلة الزائدة يعنى زائدة فى الوجوب عليك لا على أمتك قلت لو كان كذلك يقال عليك فان صلة الوجوب تكون على دون اللامم فان قيل فى وجه تخصيصه به عليه الصلاة و السلام فانها نافلة لجميع الناس غير ممنوعة عن أحد قلنا وجه التخصيص على ما روى عن مجاهد و الحسن و ابى امامة ان تسميتها نافلة فى حقه صلى اللّه عليه و سلم خاصة باعتبار كونها عامة فى رفع الدرجات بخلاف غيره فانها فى حق غيره نافلة فى تكفير السيئات غالبا و يدل ايضا على كون قيام الليل تطوعا فى حق النبي صلى اللّه عليه و سلم حديث المغيرة قال قام النبي صلى اللّه عليه و سلم حتى تورمت قدماه فقيل له لم تصنع هذا و قد غفر اللّه ما تقدم من ذنبك و ما تأخر قال أ فلا أكون عبدا شكورا و لم يقل انها فريضة على خاصة و حديث ابن عمر رض قال كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يصلى فى السفر على راحلته حيث توجهت به يومى ايماء صلوة الليل الا الفرائض و يوتر على راحلته متفق عليه (مسئلة:) اختلفوا فى ان صلوة الليل فى حق الامة من سنن الهدى المؤكدات او من المستحبات فقيل هى مندوب فى حقنا و هذا قول من قال هى كانت فريضة على النبي صلى اللّه عليه و سلم حتى مات قالوا الادلة القولية يفيد الندب و المواظبة الفعلية لم يكن على سبيل التطوع و السنة ما واظب عليه النبي صلى اللّه عليه و سلم من التطوع و المختار عندى انها من سنن الهدى كما ذكرنا ان مواظبته صلى اللّه عليه و سلم كان على وجه التطوع و على تقدير تسليم كون المواظبة على سبيل الوجوب فمواظبته صلى اللّه عليه و سلم اى وجه كان يقتضى كون الفعل مسنونا ما لم يكن ممنوعا فى حق غيره كصوم الوصال مثلا و ممّا يدل على كونه سنة مؤكدة حديث ابن مسعود قال ذكر عند النبي صلى اللّه عليه و سلم رجل فقيل له ما زال نائما حتى أصبح ما قام الى الصلاة قال ذلك رجل بال الشيطان فى اذنه او قال فى اذنيه متفق عليه فان ترك المندوب لا يستحق عليه اللوم و العتاب و اللّه تعالى اعلم- و قيل المراد بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القران القران فى الصلاة الخمس و قال الحسن يعنى فى صلوة المغرب و العشاء قال البغوي قال قيس بن حازم صليت خلف ابن عباس رض بالبصرة فقرأ فى أول ركعته بالحمد و أول اية من البقرة ثم قام فى الثانية فقرأ بالحمد و الاية الثانية من البقرة ثم ركع فلما انصرف اقبل علينا بوجهه فقال ان اللّه عز و جل يقول فاقرؤا ما تيسر منه و يحتمل ان يكون المراد منه فاقرؤا القران بعينه كيف ما تيسر لكم (مسئلة:) اختلفوا فى مقدار القراءة التي لا يجوز الصلاة الا بها و مقدار الواجب منها فى الصلاة فقال ابو حنيفة رض فى احدى الروايات عنه ان ما هو ركن للصلوة و لا يصح الصلاة الا به هو ادنى ما يطلق عليه اسم القران و لم يشبه قصد الخطاب واحد او نحوه و يقتضى هذه الروايات الجواز بدون الاية و به جزم القدورى و فى رواية عنه و عن احمد هو اية تامة لا يجوز الصلاة بما دون ذلك و اختاره صاحب الهداية و فى رواية عنه و به قال ابو يوسف رض و محمد رض انه ثلث آيات قصار مثل سورة الكوثر او اية طويلة تساوى الثلث لكن يجب عند ابى حنيفة رض و صاحبيه قراءة الفاتحة و قدر سورة معه فان ترك شيئا منها يجب سجدة السهو ان كان ترك سهوا فان لم يسجد و ترك عمدا يأثم و يجب عليه الاعادة من غير افتراض و قال مالك رض و الشافعي رض و احمد رض لا يصح الصلاة الا بفاتحة الكتاب و سن عندهم ضم السورة و لا يجب احتجوا بقوله صلى اللّه عليه و سلم لا صلوة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت و رواه الدار قطنى بلفظ لا يجوز صلوة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب و قال اسناده صحيح رواه ابن خزيمة و ابن حبان بهذه اللفظ من حديث ابى هريرة رض و فيه قال الراوي قلت ان كنت خلف الامام قال فاخذ بيدي و قال اقرأ بها فى نفسك و روى مسلم و احمد عن ابى هريرة رض بلفظ من صلى صلوة لم يقرأ فيها بام القران فهى خداج هى خداج غير تمام فقلت يا أبا هريرة أحيانا أكون وراء الامام فقال اقرأ بها فى نفسك يا فارسى و روى الحاكم من طريق اشهب عن ابى عتبة عن ابى هريرة عن محمد بن الربيع عن عبادة مرفوعا أم القرآن عوض عن غيرها و ليس غيرها عوضا عنها و بما ذكرنا من اختلاف ألفاظ الحديث ظهر لك اندفاع ما قيل ان معنى قوله لا صلوة الا بفاتحة الكتاب صلوة كاملة كما فى قوله عليه الصلاة و السلام لا صلوة لجار المسجد الا فى المسجد لان هذا التأويل لا يجرى فى اكثر ما ذكرنا من الألفاظ على ان متعلق الجار و المجرور الواقع خبر الا يقدر الا عاما اى لا صلوة كائنة و عدم الوجود شرعا هو عدم الصحة غير ان فى حديث لا صلوة الا فى المسجد لما قام الدليل عليه و هو الإجماع قلنا المراد هناك كون خاص اى كاملة فهو من باب حذف الخبر لا من باب وقوع الجار و المجرور خبرا و ما مر فى تفسير سورة الفاتحة حديث قسمت الصلاة بينى و بين عبدى نصفين الحديث يدل على ان الصلاة لا يكون الا بفاتحة الكتاب و ابو حنيفة رض أخذ بهذا الحديث قال بوجوب الفاتحة فى الصلاة و وجوب ضم السورة ايضا لما روى فى بعض الروايات لا صلوة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا رواه مسلم و ابو داود و ابن حبان و روى ابن ماجة عن ابى سعيد بلفظ لا صلوة لمن لم يقرأ فى كل ركعة بالحمد و سورة فى فريضة او غيرها و اسناده ضعيف و لابى داود من طريق همام عن قتادة عن ابى بصر عن ابى سعيد قال أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و اله و سلم ان نقرأ بفاتحة الكتاب و ما تيسر و اسناده صحيح و لم يقل ابو حنيفة رض بكون الفاتحة ركنا للصلوة بحيث لا يجوز الصلاة الا بها عملا بهذه الاية فاقرؤا ما تيسر من القرآن قال صاحب الهداية الزيادة على الكتاب القطعي غير الواحد لا يجوز لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبهما و الصحيح عندى ان الفاتحة و كذا ضم السورة ركن للصلوة لا يجوز الصلاة الا بهما و الاستدلال بهذه الاية على نفى الركنية لا يصح لان الظاهر فى تاويل الاية كما ذكرنا ان المراد بالقراءة نفس الصلاة بالليل و معنى قوله تعالى فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر انه خفف عنكم فى قيام الليل فصلوا ما تيسر لكم الصلاة فلا دلالة بهذه الاية على قدر القراءة و ما لا بد منه و ما قيل فى تأويله انه ما تيسر من القران فى الصلاة الخمس فتاويل بعيد و احتمال ضعيف و الاحتمال لا يتصور كونه حجة للوجوب فكيف يحكم عليه بكونه قطعيا لا يجوز الزيادة عليه بخبر الواحد كيف و الحديث تلقته الامة بالقبول و انعقد الإجماع على العمل به و توارث النقل و تواتر المعنى ان النبي صلى اللّه عليه و سلم واحد من السلف و الخلف لم يصل بغير الفاتحة و بمثل هذا الخبر و النقل التوارث يزاد على الكتاب اجماعا على ان الصلاة مجمل و أحاديث الآحاد يحتمل ان يكون بيانا للجمل و يبين أركانا لها و لقد قالت الحنفية القعدة الاخرة و استدلوا عليه بحديث ابن مسعود رض فى التشهد إذا قلت هذا او فعلت هذا فقد نمت صلوتك ان شئت ان تقوم فقم و ان شئت ان تقعد فاقعد قالوا علق التمام بأحد الامرين فهو فرض مع ان الحديث من الآحاد ايضا و اللّه تعالى اعلم و قد يستدل الحنفية على عدم ركنية الفاتحة بحديث ابى هريرة فى قصة المسيئ صلوته انه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا قمت الى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسرك من القران الحديث متفق عليه و الجواب ان هذا الحديث وجوب القراءة مطلقا و ما مر من قوله صلى اللّه عليه و سلم الا بفاتحة الكتاب يدل التعيين فالعمل بالحديثين بحمل المطلق على المقيد قلنا بركنية الفاتحة و قد ورد فى بعض طرق حديث المسيئ صلوته بلفظ فكبر ثم اقرأ بام القران ثم اقرأ بما شئت به الحديث رواه احمد من حديث رفاعة بن رافع و رواه الدار قطنى من حديثه بلفظ ثم يكبر اللّه و يثنى عليه ثم يقرأ بام القران و ما اذن له فيه و ما تيسر الحديث (مسئلة:) هل يجب القراءة على المقتدى أم لا فقال الشافعي رض يجب عليه قرأة الفاتحة كالامام و المنفرد قال البغوي كذا روى عن عمر رض و عثمان رض و على رض و ابن عباس رض و معاذ رض و قال ابو حنيفة رض و مالك رض و احمد رض لا يجب ثم اختلفوا فقال ابو حنيفة رض يكره مطلقا و قال مالك رض و احمد رض يكره فى الجهرية فقط و قال احمد رض يستحب فى السرية و كذا فى الجهرية عند سكتات الامام ان سكت لا مع قرأته و به قال الزهري رض و مالك رض و ابن المبارك رض و يروى ذلك عن ابن عمرو عروة بن الزبير و ابو القاسم بن محمد وجه القول بسقوط القراءة عن المقتدى حديث جابر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال من كان له امام فقرأة الامام قرأة له رواه احمد و الدار قطنى من طريق جابر الجعفي و ضعفه الدار قطنى و قال ابن الجوزي وثقه الثوري و شعبة و رواه الدار قطنى من طريق اخر و فيه لبث و قال ضعفه ابن علية و قال احمد حدث عن الناس و من طريق اخر فيه يحى بن سلام بلفظة كل صلوة لا يقرأ فيها بام الكتاب فهى خداج الا ان يكون وراء الامام قال الدار قطنى يحى بن سلام ضعيف و قال ابن الجوزي لم نر أحدا ضعفه قال الدار قطنى و البيهقي و ابن عدى الصحيح انه مرسل فان الحفاظ كسفيانين و ابى الأحوص و شعبة و إسرائيل و شريك و ابن خلد الدالاني و جرير و عبد الحميد و زائدة و زهير رووه عن موسى بن عائشة عن عبد اللّه بن شداد عن النبي صلى اللّه عليه و سلم مرسلا قلنا المرسل عندنا حجة و ما ذكر فى الطرف المتصلة قد سمعت ان ابن الجوزي أنكر تضعيفه على انه قد رواه ابو حنيفة بسند صحيح على شرط الشيخين روى محمد فى مؤطاه انا ابو حنيفة ثنا ابو الحسن موسى بن ابى عائشة عن عبد اللّه بن شداد عن جابر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و رواه احمد ابن منيع فى مسنده بسند صحيح على شرط مسلم قال انا اسحق الأرزق ثنا سقيان و شريك عن موسى ابن ابى عائشة عن عبد اللّه بن شداد عن جابر و فى الباب أحاديث اخر ضعيفة لم نذكرها كراهة الاطناب فان قيل قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القران عام فى المصلين فلا يجوز تخصيصه بخبر الآحاد و على اصل ابى حنيفة قلنا هى عام خص منه البعض و هو المدرك فى الركوع اجماعا فجاز تخصيصها بعده فى المقتدى و وجه القول بالاستحباب فى السرية حديث عبادة بن الصامت قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا يقرأن أحد منكم شيئا من القران إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القران رواه الدارقطني و قال رجاله كلهم ثقات فتخصيص المنع بالجهرية يقتضى الاستحباب فى السرية و استثناء أم القران يقتضى قرأتها عند السكتات جمعا بين الأحاديث و عملا بقوله تعالى و إذا قرئ القران فاستمعوا له و انصتوا و اللّه تعالى اعلم و روى عن جماعة من الصحابة ترك القراءة خلف الامام رواه مالك فى المؤطا عن نافع عن ابن عمر انه كان لا يقرأ خلف الامام و روى الطحاوي عن زيد بن ثابت و جابر قالوا لا تقرأ خلف الامام فى شى ء من الصلاة و روى محمد فى المؤطا انه سئل ابن مسعود رض عن القراءة خلف الامام قال انصت فان فى الصلاة شغلا و يكفيك الامام و روى محمد بن سعد قال وددت الذي يقرأ خلف الامام فى فيه جمرة و روى نحوه عبد الرزاق الا انه قال فى فيه حجر و روى محمد عن داود بن قيس عن عجلان ان عمر بن الخطاب قال ليت فى فم الذي يقرأ خلف الامام حجرا و روى ابن ابى شيبة فى مصنفه عن جابر قال لا يقرأ خلف الامام ان جهر و لا ان خافت و هذه الأقوال وجه الكراهة فى الجهرية بل فى السرية ايضا بإطلاقها و ايضا ترك القراءة فى الجهرية مقتضى فى قوله تعالى و إذا قرئ القران فاستمعوا له و انصتوا و قوله صلى اللّه عليه و سلم إذا قرئ فانصتوا رواه ابو داود و النسائي و ابن ماجة من حديث ابى هريرة و سنذكر تفسير تلك الاية ان شاء اللّه تعالى (مسئلة:) هل يجب القراءة فى كل ركعة من فرض و نفل فقال الشافعي رض و احمد رض و مالك رض يجب فى كل ركعة مطلقا لان الأمر بالقراءة كالامر بالركوع و السجود و غير انه فى رواية عن مالك ان ترك القراءة فى ركعة واحدة من الفرض الثلاثي و الرباعي ينجر بسجود السهو و قال ابو حنيفة فى الوتر و النفل يجب فى كل ركعة و لا ينجر بالسجود فان كل شفعة منه صلوة و اما فى الفرض فلا يجب الا فى الركعتين و كان القياس وجوبها فى ركعة واحدة لان الأمر لا يقتضى التكرار و لكن قلنا القراءة و قدرها فلا يلتحقان بهما و هذا الكلام يتوقف على كون المراد بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القران فى القراءة فى الصلاة و ذلك ممنوع و للجمهور حديث ابى هريرة قال دخل رجل المسجد فصلى و النبي صلى اللّه عليه و سلم فى المسجد ثم جاء الى النبي صلى اللّه عليه و سلم فسلم عليه فرد عليه السلام و قال ارجع فصل فانك لم تصل ففعل ذلك ثلث مرات فقال و الذي بعثك بالحق نبيا ما احسن غير هذا فعلمنى فقال إذا قمت الى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القران ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا و فى رواية ثم ارفع حتى تستوى قائما ثم افعل ذلك فى صلوتك كلها متفق عليه و حديث رفاعة الرزقي نحوه رواه احمد و ابو داود و الترمذي و النسائي و حديث ابى قتادة ان النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يصلى فيقرأ فى الظهر و العصر فى الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب و سورتين و فى الركعتين الأخريين بام القران و كان يطيل أول ركعة من صلوة الفجر و أول ركعة من صلوة الظهر متفق عليه و هذا الحديث مع قوله صلى اللّه عليه و سلم صلوا كما رأيتمونى أصلي التحق بيانا بجمل الكتاب و حديث ابى الدرداء ان رجلا قال يا رسول اللّه أ في كل صلوة قران قال نعم فقال رجل من الأنصار وجبت هذه فان قيل هذه الأحاديث من الآحاد و لا يجوز به الزيادة على الكتاب أجيب بانه على تقدير تسليم هذه المسألة الاصولية نقول بان هذا الحكم انما هو إذا كان الكتاب قطعى الدلالة و قوله تعالى فاقرؤا ليس بل يحتمل وجوه التأويل و ان القراءة المأمور بها فى الصلاة مجمل يجوز ان يلتحق أحاديث الآحاد بها بيانا و اللّه تعالى اعلم عَلِمَ اللّه إِنَّ مخففة من المثقلة و ضمير الشان محذوف سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى بدل اشتمال من قوله تعالى علم ان لن تحصوه و تكرار فاقرؤا للتاكيد و قيل استيناف لبيان حكمة اخرى مقتضية للتخفيف و لذلك كرر الحكم مرتبا عليه وَ آخَرُونَ عطف على اسم يكون يَضْرِبُونَ اى يسافرون فِي الْأَرْضِ للتجارة او لتحصيل العلم و للحج يَبْتَغُونَ حال من ضمير يضربون مِنْ فَضْلِ اللّه الربح فى التجارة او العلم و الثواب وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه فلا يطيقون هؤلاء الأصناف سنة قيام الليل ذكر البغوي عن ابراهيم عن ابن مسعود رض قال أيما رجل جلب شيئا الى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند اللّه بمنزلة الشهداء ثم قرا عبد اللّه و آخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل اللّه و آخرون يقاتلون فى سبيل اللّه فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ اى من القرآن فان قيل كلمة ما عام شامل يشتمل جميع ما تيسر فيلزم ان يكون المأمور به ذلك قلنا سوق الكلام يقتضى تخير المكلفين فى جميع افراد ما تيسر فاى فرد منها اتى به فقد اتى بالمأمور به (مسئلة) و يستحب القصد فى العمل و التوسط دون الافراط و التفريط و يستحب المواظبة على المتوسط دون الافراط تارة و ترك اخرى واد فى المتوسط يقرأ خمسين اية و مائة و أكثره الف اية حتى يكون الختم فى الأسبوع اخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم فاقرءوا ما تيسر منه قال مائة اية قال ابن كثير غريب جدا و روى البغوي بسنده عن انس انه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول من قرا خمسين اية فى يوم و ليلة لم يكتب من الغافلين و من قرا مائة اية كتب من القانتين و من قرا مائتى اية لم تحاجه القران يوم القيامة و من قرا خمسمائة اية كتب له قنطار من الاجر و روى الدارمي عن الحسن مرسلا ان النبي صلى اللّه عليه و سلم قال من قرا فى ليلة مائة اية لم يحاجه القرآن تلك الليلة و من قرا فى ليلة مائتى اية كتب له قنوت ليلة و من قرا خمسمائة اية الى الف له صحيح فله قنطار من الاجر قالوا و ما القنطار قال اثنى عشر الف درجة و روى مسلم عن عبد اللّه بن عمرو قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اقرء القرآن فى كل شهر قال قلت انّى أجد قوة قال فاقرءه فى عشرين ليلة قال قلت انى أجد قوة قال فاقرأ فى سبع و لا تزد على ذلك و فى الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أحب الأعمال الى اللّه أدومها و ان قل و فيهما عنها قالت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خذوا من الأعمال ما يطيقون فان اللّه لا يمل حتى تملوا و فيهما عن انس قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ليصل أحدكم نشاطه و إذ فتر فليقعد و فيهما عن عائشة قالت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا نعس أحدكم و هو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم فان أحدكم إذا صلى و هو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبة الجملة مع ما عطف عليه معطوفة على فاقرؤا و كلمة الواو للجمعية فهذا العطف يقتضى ان قيام الليل بما تيسر من القران لم ينسخ بالصلوات الخمس كما قيل فثبت ان الأمر كان للندب دون الوجوب و اللّه تعالى اعلم وَ آتُوا الزَّكاةَ المفروضة وَ أَقْرِضُوا اللّه قال ابن عباس المراد به الانفاق سوى الزكوة من صلة الرحم و قرى الضيف قلت و يحتمل ان يكون المراد به مطلق الطاعات للّه تعالى و ان يكون المراد به الزكوة على احسن الوجه يدل عليه قوله تعالى قَرْضاً مفعول مطلق من قبيل أنبته اللّه نباتا حَسَناً صفة للمصدر و فيه ترغيب لوعد العوض وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ عبادة بدنية او ما فيه شرط جزاءه تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّه هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً ط من الذي توخرونه الى الوصية عند الموت و من متاع الدنيا و خيرا ثانى مفعولى تجدوه و هو الضمير الفصل لا محل له من الاعراب لان افعل من حكمه حكم المعرفة فلذلك يمتنع من حرف التعريف عن عبد اللّه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أيكم ماله أحب اليه من مال وارثه قالوا ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال اعلموا ما تقولون قالوا ما نعلم الا ذلك يا رسول اللّه قال ما منكم رجل الا مال وارثه أحب اليه من ماله قالوا كيف يا رسول اللّه قال انما مال أحدكم ما قدم و مال وارثه ما اخر رواه البغوي وَ اسْتَغْفِرُوا اللّه ط لذنوبكم الجملة معطوفة على اقيموا الصلاة إلخ و فيه اشارة الى ان الإنسان لا يعتبر باعمال البر و لا يتكل عليه بل لا بد مع ذلك من الاستغفار فان ما صدر منه من الطاعات قلما يخلو من التقصيرات ثم كلما صدر من العبد و ان جل فهو بالنسبة الى جناب قدسه و جلالته و عظمته لا يليق به تعالى ما لم ينضم معه الاعتراف بالعجز و القصور و الذل إِنَّ اللّه غَفُورٌ عن تقصيراتكم رَحِيمٌ بكم يعطى الثواب الجزيل على العمل القليل. |
﴿ ٢٠ ﴾