٣١وقوله : يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [٣١] لو ألقيت (من) من الأساور كانت نصبا. ولو ألقيت (من) من الذهب جاز نصبه على بعض القبح ، لأن الأساور ليس بمعلوم عددها ، وإنما يحسن «٤» (٤) ا : «حسن». النصب فى المفسّر إذا كان معروف العدد ، كقولك : عندى جبّتان خزّا ، وأسواران ذهبا ، وثلاثة أساور ذهبا. فإذا قلت : عندى أساور ذهبا فلم تبيّن عددها كان بمن ، لأن المفسّر ينبغى لما قبله أن يكون معروف المقدار. ومثله قول اللّه تبارك وتعالى (وَ يُنَزِّلُ «١» مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) المعنى : فيها جبال برد ، فدخلت (من) لأن الجبال غير معدودة فى اللفظ. ولكنه يجوز كأنك تريد بالجبال والأساور الكثيرة ، كقول القائل : ما عنده إلا خاتمان ذهبا قلت أنت : عنده خواتم ذهبا لمّا أن كان ردّا على شىء معلوم العدد فأنزل الأساور والجبال من برد على هذا المذهب. فأما (يُحَلَّوْنَ) فلو قال قائل : يحلون لجاز ، لأن العرب تقول : امرأة حالية ، وقد حليت فهى تحلى إذا لبست الحلىّ فهى تحلى حليّا وحليا. وقوله (نِعْمَ الثَّوابُ) ولم يقل : نعمت الثواب ، وقال (وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) فأنّث الفعل على معنى الجنّة ولو ذكّر بتذكير المرتفق كان صوابا ، كما قال (وَ بِئْسَ «٢» الْمِهادُ) ، وبئس «٣» القرار) ، (وَ بِئْسَ «٤» الْمَصِيرُ) وكما قال (بِئْسَ «٥» لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) يريد إبليس وذرّيّته ، ولم يقل بئسوا. وقد يكون (بئس) لإبليس وحده أيضا. والعرب توحّد نعم وبئس وإن كانتا بعد الأسماء فيقولون : أمّا قومك فنعموا قوما ، ونعم قوما ، وكذلك بئس. وإنما جاز توحيدها لأنهما ليستا «٦» بفعل يلتمس معناه ، إنما أدخلوهما لتدلّا على المدح والذمّ ، ألا ترى أن لفظهما لفظ فعل «٧» وليس معناهما كذلك ، وأنه لا يقال منهما يبأس الرجل زيد ، ولا ينعم الرجل أخوك ، فلذلك استجازوا الجمع (١) الآية ٤٣ سورة النور. (٢) الآية ١٩٧ سورة آل عمران. وورد فى مواضع أخر. (٣) الآية ٢٩ سورة إبراهيم. (٤) الآية ١٢٦ سورة البقرة. وورد فى مواطن أخر. (٥) الآية ٥٠ سورة الكهف. (٦) ا : «ليسا». (٧) يريد لفظ الفعل الماضي. و التوحيد فى الفعل. ونظيرهما (عَسى أَنْ يَكُونُوا «١» خَيْراً مِنْهُمْ) وفى قراءة عبد اللّه (عسوا أن يكونوا خيرا منهم) ألا ترى أنك لا تقول ، هو يعسى كما لم تقل يبأس. وقوله : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [٣٣] ولم يقل : آتتا. وذلك أن (كِلْتَا) ثنتان لا يفرد واحدتهما ، وأصله كلّ كما تقول للثلاثة : كلّ : فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع ، لا أن يفرد للواحدة شىء فجاز توحيده ١٠٤ ب على مذهب كلّ. وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر فى كلتا. وكذلك فافعل بكلتا وكلا وكلّ إذا أضفتهنّ إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن ، فاجمع ووحّد. من التوحيد قوله (وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ «٢» يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) ومن الجمع (وَ كُلٌّ أَتَوْهُ «٣» داخِرِينَ) و(آتوه) مثله. وهو كثير فى القرآن وسائر الكلام. قال الشاعر : و كلتاهما قد خطّ لى فى صحيفتى فلا العيش أهواه ولا الموت أروح و قد تفرد العرب إحدى كلتا وهم يذهبون بإفرادها إلى اثنتيها ، أنشدنى بعضهم. فى كلت رجليها سلامى واحده كلتاهما مقرونة بزائده «٤» يريد بكلت كلتا. والعرب تفعل ذلك أيضا فى (أىّ) فيؤنثون ويذكّرون ، والمعنى التأنيث ، من ذلك قول اللّه تبارك (١) الآية ١١ سورة الحجرات. [.....] (٢) الآية ٩٥ سورة مريم. (٣) الآية ٨٧ سورة النمل. (٤) ورد هذا الرجز فى الخزانة فى الشاهد الثالث عشر. وفيها أنه فى وصف نعامة. والسلامى : عظم فى فرسن البعير ، وعظام صغار طول إصبع أو أقل فى اليد والرجل والفرسن للبعير بمنزلة الحافر للفرس والضمير فى كلتاهما للرجلين. والشطر الأخير مؤكد لما فى الشطر الأول فالزائدة هى السلامى. وقد ضبط «كلت» بالكسر ، والذي فى الخزانة والإنصاف ضبطه بالفتح ، وقد يسر هذا للبصريين أن يقولوا : الأصل كلتا فحذفت الألف. والأقرب إلى مذهب الفراء والكوفيين الجر بالكسر إذ يجعلونها مفرد كلتا. وفى الخزانة أورد عبارة الفراء هكذا. «و قد تفرد العرب إحدى كلتى بالإحالة وهم يذهبون بافرادها إلى اثنينيتها وأنشد فى بعضهم البيت. يعنى الظليم يريد بكلت كلّى». و تعالى (وَ ما تَدْرِي «١» نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ويجوز فى الكلام بأيّة أرض. ومثله (فى أىّ «٢» صورة) يجوز فى الكلام فى أيّة صورة. وقال الشاعر : بأيّ بلاء أم بأيّة نعمة يقدّم قبلى مسلم والمهلّب و يجوز أيّتهما قال ذاك. وقالت ذاك أجود. فتذكّر وقد أدخلت الهاء ، تتوهّم أنّ الهاء ساقطة إذا جاز للتأنيث (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) وكذلك يجوز أن تقول للاثنتين «٣» : كلاهما وكلتاهما. قال الشاعر : كلا عقبيه قد تشعّب رأسها من الضرب فى جنبى ثفال مباشر الثفال : البعير البطيء فإن قال قائل : إنما استجزت توحيد (كِلْتَا) لأن الواحد منهما لا يفرد فهل تجيز : الاثنتان قام وتوحّد ، والاثنان قام إذ لم يفرد له واحد؟ قلت : إن الاثنين بنيا على واحد ولم يبن (كلا) على واحد ، ألا ترى أن قولك : قام عبد اللّه كلّه خطأ ، وأنك تجد معنى الاثنين على واحد كمعنى الثلاثة وزيادات «٤» العدد ، ولا يجوز إلا أن تقول : الاثنان قاما والاثنتان قامتا. وهى فى قراءة عبد اللّه. كلّ الجنتين آتى أكله و معناه كلّ شىء من ثمر الجنتين آتى أكله. ولو أراد جمع الثنتين ولم يرد كل الثمر لم يجز إلّا كلتاهما ، ألا ترى أنك لا تقول : قامت المرأتان كلهما ، لأن (كل) لا تصلح لإحدى المرأتين وتصلح لإحدى الجنّتين. فقس على هاتين كل ما يتبعّض مما يقسم أولا يقسم. (١) الآية ٣٤ سورة لقمان. (٢) الآية ٨ سورة الانفطار. (٣) ا ، ش ، ب «للاثنين» والمناسب ما أثبت. (٤) يريد أربعة فما قوقها. و قوله (وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) يقال : كيف جاز التّشديد وإنما النهر واحد قلت : لأن النهر يمتدّ حتى صار التفجر كأنه فيه كلّه فالتخفيف فيه والتثقيل جائزان. ومثله (حَتَّى تَفْجُرَ «١» لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) يثقّل ويخفّف «٢». (قوله : وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [٣٤]) حدّثنا محمد قال حدثنا الفراء قال : وحدثنى المعلّي بن هلال الجعفىّ عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال : ما كان فى القرآن من ثمر بالضمّ «٣» فهو مال ، وما كان من ثمر مفتوح فهو من الثمار. (١) الآية ٩٠ سورة الإسراء. (٢) التخفيف لعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف وافقهم الحسن والأعمش ، والتثقيل للباقين. (٣) قرأ بالفتح هنا ، وفى الآية الآتية «و أحيط بثمره» عاصم وأبو جعفر وروح ، وقرأ الباقون بالضم. وفى اللسان (ثمر) أن يونس لم يقبل هذه التفرقة فكأنهما عنده سواء. |
﴿ ٣١ ﴾