٥٢وقوله : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [٥٢] (أن) فى موضع رفع كقولك : لا يحلّ لك النّساء والاستبدال بهنّ. وقد اجتمعت القراء على (لا يَحِلُّ) بالياء. وذلك أنّ المعنى : لا يحلّ لك شىء من النساء ، فلذلك اختير تذكير الفعل. ولو كان المعنى للنساء جميعا لكان التّأنيث أجود فى العربيّة. والتاء جائزة لظهور النساء بغير من. وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ. فغير منصوبة لأنها نعت للقوم ، وهم معرفة و(غير) نكرة فنصبت على الفعل كقوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ «١» غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) ولو خفضت (غَيْرَ ناظِرِينَ) كان صوابا لأنّ قبلها (طَعامٍ «٢») وهو نكرة ، فتجعل فعلهم تابعا للطعام لرجوع ذكر الطعام فى (إِناهُ) كما تقول العرب : رأيت زيدا مع امرأة محسن إليها ، ومحسنا إليها. فمن قال : (محسنا) جعله من صفة زيد ، ومن خفضه فكأنه قال : رأيت زيدا مع التي يحسن إليها. فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها ، وإن كان فعلا لغيرها. وقد قال الأعشى : فقلت له هذه هاتها فجاء بأدماء مقتادها فجعل المقتاد تابعا لإعراب الأدماء لأنه بمنزلة قولك : دماء يقتادها فخفضته لأنه صلة لها. وقد ينشد بأدماء مقتادها تخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد. ومعناه : بملء يدى من اقتادها ومثله فى العربية أن تقول : إذا دعوت زيدا فقد استغثت بزيد مستغيثه. فمعنى زيد مدح أي أنه كافى مستغيثه. ولا يجوز أن تخفض على مثل قولك : مررت على رجل حسن وجهه لأن هذا لا يصلح حتى تسقط راجع ذكر الأول فتقول : حسن الوجه. وخطأ أن تقول : مررت على امرأة حسنة وجهها وحسنة الوجه صواب. وقوله : (وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ) فى موضع خفض تتبعه الناظرين كما تقول : كنت غير قائم ولا قاعد وكقولك للوصىّ : كل من مال اليتيم بالمعروف غير متأثّل مالا ، ولا واق مالك بماله. ولو جعلت المستأنسين فى موضع نصب تتوهّم أن تتبعه بغير «٣» لمّا أن حلت بينهما بكلام. وكذلك كلّ معنى احتمل وجهين ثم فرّقت بينهما بكلام جاز أن يكون الآخر معربا بخلاف الأوّل. من ذلك قولك : ما أنت بمحسن إلى من أحسن إليك ولا مجملا ، تنصب المجمل وتخفضه : الخفض على (١) الآية ١ سورة المائدة. (٢) ا : «طعاما». (٣) كذا. والأولى : «غير». إتباعه «١» المحسن والنصب أن تتوهم أنك قلت : ما أنت محسنا. وأنشدنى بعض العرب : و لست بذي نيرب فى الصديق ومنّاع خير وسبّابها و لا من إذا كان فى جانب أضاع العشيرة واغتابها «٢» و أنشدنى أبو القمقام : أجدّك لست الدهر رائى رامة ولا عاقل إلّا وأنت جنيب و لا مصعد فى المصعدين لمنعج ولا هابطا ما عشت هضب شطيب «٣» و ينشد هذا البيت : معاوى إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا «٤» و ينشد (الحديدا) خفضا ونصبا. وأكثر ما سمعته بالخفض. ويكون نصب المستأنسين على فعل مضمر ، كأنه قال : فادخلوا غير مستأنسين. ويكون مع الواو ضمير دخول كما تقول : قم ومطيعا لأبيك. والمعنى فى تفسير الآية أنّ المسلمين كانوا يدخلون على النبىّ عليه السلام فى وقت الغداء ، فإذا طعموا أطالوا الجلوس ، وسألوا أزواجه الحوائج. فاشتدّ ذلك على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، حتّى (١) ا : «إتباعها». (٢) البيتان لعدى بن خزاعى كما فى اللسان (ترب). وفى ا : «فلست» والنيرب : الشر والنميمة. والهاء فى (سبابها) للعشيرة. وفى اللسان عن ابن برى أن صواب إنشاده : و لست بذي نيرب فى الكلام ومناع قومى وسبابها و لا من إذا كان فى معشر أضاع العشيرة واغتابها و لكن أطاوع ساداتها ولا أعلم الناس ألقابها (٣) رامة وعاقل ومنعج وشطيب مواضع فى بلاد العرب. و(جنيب) من معانيه الأسير. (٤) هو لعقيبة الأسدى كما فى كتاب سيبويه ١/ ٣٤. وأورد سيبويه بعده بيتا على النصب وهو : أديروها بنى حرب عليكم ولا ترموا بها الغرض البعيدا و أورد الأعلم أن هناك رواية بالخفض وأن بعد البيت : أكلتم أرضنا فجرزتموها فهل من قائم أو من حصيد أنزل اللّه هذه الآية ، فتكلّم فى ذلك بعض الناس ، وقال : أننهى أن ندخل على بنات عمّنا إلّا بإذن ، أو من وراء حجاب. لئن مات محمد لأتزوّجنّ بعضهنّ. فقام «١» الآباء أبو بكر وذووه ، فقالوا : يا رسول اللّه ، ونحن أيضا لا ندخل عليهنّ إلّا بإذن ، ولا نسألهنّ الحوائج إلّا من وراء حجاب ، فأنزل اللّه (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ) «٢» إلى آخر الآية. وأنزل فى التزويج (وَ ما كانَ «٣» لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً). (١) كذا. والأولى : وقام. (٢) فى الآية ٥٥ سورة الأحزاب. (٣) في الآية ٥٣ سورة الأحزاب. |
﴿ ٥٢ ﴾