٢١

وقوله : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ [٢١] يضلّهم به حجّة ، إلّا أنّا سلّطناه عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة.

فإن قال قائل : إنّ اللّه يعلم أمرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه

قلت : مثل هذا كثير فى القرآن. قال اللّه (وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ «٤» حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وهو يعلم المجاهد والصّابر بغير ابتلاء ، ففيه وجهان. أحدهما أنّ العرب تشترط للجاهل إذا كلّمته بشبه هذا شرطا تسنده إلى أنفسها وهى عالمة ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم. من ذلك أن يقول القائل :

النّار تحرق الحطب فيقول الجاهل : بل الحطب يحرق النار ، ويقول العالم : سنأتى بحطب ونار لنعلم أيّهما يأكل صاحبه فهذا وجه بيّن. والوجه/ ١٥٣ ا الآخر أن تقول (لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ) معناه : حتى نعلم عندكم «٥» فكأن الفعل لهم فى الأصل. ومثله مما يدلّك عليه قوله (وَ هُوَ الَّذِي «٦» يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)

 (٤) الآية ٣١ سورة محمد.

(٥) أي فى المتعارف عندكم أن العلم يكون بوسيلة تؤدى إليه. [.....]

(٦) الآية ٢٧ سورة الروم.

عندكم يا كفرة ولم يقل : (عندكم) يعنى : وليس فى القرآن (عندكم) وذلك معناه. ومثله قوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ «١» الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) عند نفسك إذ كنت تقوله فى دنياك. ومثله ما قال اللّه لعيسى (أَ أَنْتَ «٢» قُلْتَ لِلنَّاسِ) وهو يعلم ما يقول وما يجيبه به فردّ عليه عيسى وهو يعلم أن اللّه لا يحتاج إلى إجابته. فكما «٣» صلح أن يسأل عمّا يعلم ويلتمس من عبده ونبيّه الجواب فكذلك يشرط من فعل نفسه ما يعلم ، حتى كأنه عند الجاهل لا يعلم.

(١) الآية ٤٩ سورة الدخان.

(٢) الآية ١١٦ سورة المائدة.

(٣) ا : «كما».

﴿ ٢١