٢٤و (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) __________ (١) قال السَّمين : إِمَّا يَبْلُغَنَّ قرأ الأخَوان « يَبْلُغانِّ » بألفِ التثنيةِ قبل نونِ التوكيدِ المشدَّدةِ المكسورةِ ، والباقون دونَ ألفٍ وبفتحِ النون . فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها أوجهٌ ، أحدها : أن الألفَ ضميرُ الوالدين لتقدُّم ذكرهما ، و « أَحَدُهما » بدلٌ منه ، و « كِلاهما » عطفٌ عليه . وإليه نحا الزمخشريُّ وغيرُه . واستشكله بعضُهم بأنَّ قولَه « أحدُهما » بدلُ بعضٍ مِنْ كل ، لا كلٍّ من كل ، لأنه غيرُ وافٍ بمعنى الأول ، وقوله بعد ذلك « كِلاهما » عطفٌ على البدلِ ، فيكونُ بدلاً ، وهو مِنْ بدل الكلِّ من الكل؛ لأنه مرادفٌ لألف التثنية . لكنه لا يجوز أن يكونَ بدلاً لعُرُوِّه عن الفائدة؛ إذ المستفادُ من ألفِ التثنيةِ هو المستفادُ مِنْ « كِلاهما » فلم يُفِدِ البدلُ زيادةً على المبدلِ منه. قلت : هذا معنى قولِ الشيخِ . وفيه نظرٌ؛ إذ لقائلٍ أن يقول : مُسَلَّمٌ أنه لم يُفِدِ البدلُ زيادةً على المبدلِ منه ، لكنه لا يَضُرُّ لأنه شانُ التأكيد ، ولو أفاد زيادةً أخرى غيرَ مفهومةٍ من الأولِ كان تأسيساً لا تأكيداً . وعلى تقدير تسليمِ ذلك فقد يُجابُ عنه بما قال ابنُ عطية فإنه قال بعد ذِكْره هذا الوجهَ « وهو بدلٌ مُقَسَّمٌ كقولِ الشاعرِ : ٣٠٤٥- وكنت كذي رِجْلَيْنِ رجلٍ صحيحةٍ . . . ورِجْلٍ رَمَى فيها الزمانُ فَشَلَّتِ إلا أنَّ الشيخ تعقَّب كلامَه فقال : » أمَّا قولُه بدلٌ مُقَسِّمٌ ك « وكنتُ . . . . » فليس كذلك؛ لأنَّ شرطََه العطفُ بالواو ، وأيضاً فشرطُه : ان لا يَصْدُقَ المُبْدَلُ منه على أحدِ قِسْميه ، لكنْ هنا يَصْدُقُ على أحدِ قسمَيْه ، ألا ترى أنَّ الألفَ وهي المبدلُ منه يَصْدُقُ على أحدِ قِسْمَيْها وهو « كلاهما » فليس من البدلِ المقسِّم « . ومتى سُلِّم له الشرطان لزم ما قاله. الثاني : أن الألفَ ليست ضميراً بل علامةُ تثنيةٍ و » أحدُهما « فاعلٌ بالفعلِ قبلَه ، و » كلاهما « عطفٌ عليه . وقد رُدَّ هذا الوجهُ : بأن شرطَ الفعلِ المُلْحَقِ به علامة تثنيةٍ أن يكون مسنداً لمثنَّى نحو : قاما أخواك ، إلى مُفَرَّق بالعطف بالواو خاصةً على خلاف فيه نحو : » قاما زيد وعمرو « ، لكنَّ الصحيحَ جوازُه لورودِه سماعاً ك ٣٠٤٦- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد أَسْلماه مُبْعَدٌ وحميم والفعلُ هنا مسندٌ إلى » أحدُهما « وليس مثنى ولا مفرَّقاً بالعطف بالواوِ. الثالث : نُقِل عن الفارسيِّ أنَّ/ » كلاهما « توكيدٌ ، وهذا لا بدَّ من إصلاحِه بزيادةٍ ، وهو أن يُجْعَلَ » أحدُهما « بدلَ بعضٍ من كل ، ويُضْمَرَ بعدَه فعلٌ رافعٌ لضمير تثنية ، ويقع » كلاهما « توكيداً لذلك الضميرِ تقديرُه : يَبْلُغا كلاهما ، إلا أنَّ فيه حَذْفَ المؤكَّد وإبقاءَ التوكيد ، وفيها خلافٌ ، أجازها الخليل وسيبويه نحو : » مررت بزيدٍ ورأيت أخاك أنفسهما « بالرفع والنصب ، فالرفعُ على تقديرِ : هما أنفسُهما ، والنصبُ على تقدير أَعْنِيهما أنفسَهما ، ولكنْ في هذا نظرٌ : من حيث إن المنقولَ عن الفارسيِّ مَنَعَ حَذْفَ المؤكَّد وإبقاءَ توكيدِه ، فكيف يُخَرَّجُ قولُه على أصلٍ لا يُجيزُه؟ وقد نصَّ الزمخشريُّ على مَنْعِ التوكيدِ فقال : فإنْ قلت : لو قيل : » إمَّا يَبْلُغانِّ كلاهما « كان » كلاهما « توكيداً لا بدلاً ، فما لكَ زَعَمْتَ أنه بدلٌ؟ قلت : لأنَّه معطوفٌ على ما لا يَصِحُّ أن يكون توكيداً للاثنين ، فانتظم في حكمِه ، فوجَبَ أن يكونَ مثلَه ». قلت : يعني أنَّ « أحدُهما : لا يَصْلُحُ أن يقعَ توكيداً للمثنى ولا لغيرِهما ، فكذا ما عُطِفَ عليه لأنه شريكُه. ثم قال : » فإنْ قلتَ : ما ضَرَّك لو جَعَلْتُه توكيداً مع كونِ المعطوفِ عليه بدلاً ، وعَطَفْتَ التوكيدَ على البدل؟ قلت : لو أريد توكيدُ التثنيةِ لقيل : « كلاهما » فحسبُ ، فلمَّا قيل : « أحدهما كلاهما » عُلِمَ أنَّ التوكيدَ غيرُ مرادٍ فكان بدلاً مثلَ الأول «. الرابع : أَنْ يرتفعَ » كلاهما « بفعلٍ مقدَّر تقديرُه : يبلغُ كلاهما ، ويكون » إحداهما « بدلاً من ألفِ الضمير بدلَ بعضٍ من كل . والمعنى : إمَّا يَبْلُغَنَّ عندك أحدُ الوالدَيْن يبلُغُ كلاهما. وأمَّا القراءةُ الثانية فواضحةٌ ، و » إن ما « : هي » إنْ « الشرطية زِيْدَتْ عليها » ما « توكيداً ، فَأُدْغِم أحدُ المتقاربين في الآخر بعد ان قُلب إليه ، وهو إدغامٌ واجب . قال الزمخشري : » هي إنْ الشرطيةُ زِيْدَتْ عليها « ما » توكيداً لها ولذلك دَخَلَتْ النون ، ولو أُفْرِدَتْ « إنْ » لم يَصِحُّ دخولُها ، لا تقول : إن تُكْرِمَنَّ زيداً يُكْرِمْكَ ، ولكن : إمَّا تُكْرِمنَّه. وهذا الذي قاله أبو القاسم نصَّ سيبويهِ على خلافِه ، قال سيبويه : « وإن شِئْتَ لم تُقْحِمِ النونَ ، كما أنك إن شِئْتَ لم تَجِيءْ ب » ما « . قال الشيخ : » يعني مع النون وعَدَمِها « . وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ سيبويه إنما نصَّ على أن نونَ التوكيد لا يجبُ الإِتيانُ بها بعد » أمَّا « ، وإن كان أبو إسحاقَ قال بوجوبِ ذلك . وقوله بعد ذلك » كما أنَّك إنْ شِئْتَ لم تجيءْ ب « ما » ، ليس فيه دليلٌ على جوازِ توكيدِ الشرط مع إنْ وحدها. و « عندك » ظرفٌ ل « يَبْلُغَنَّ » و « كِلا » مثنَّاةٌ معنىً من غيرِ خلافٍ ، وإنما اختلفوا في تثنيتِها لفظاً : فمذهبُ البصريين أنها مفردةٌ لفظاً ، ووزنُها على فِعَل ك « مِعَى » وألفُها منقلبةٌ عن واوٍ بدليل قلبِها تاءً في « كِلْتا » مؤنثَ « كِلا » هذا هو المشهور. وقيل : ألفُها عن ياء وليس بشيءٍ . وقال الكوفيون - وتبعهم السهيليُّ مستدلِّين على ذلك ب ٣٠٤٧- في كلتِ رِجْلَيْها سُلامى واحدَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَنَطَق بمفرِدها- : هي مثنَّاة لفظاً ، ولذلك تُعْرَبُ بالألفِ رفعاً والياء نصباً وجراً ، فألفُها زائدةٌ على ماهية الكلمة كألف « الزيدان » ، ولامُها محذوفةٌ عند السهيليِّ ، ولم يأتِ عن الكوفيين نَصٌّ في ذلك ، فاحتمل أن يكونَ الأمرُ كما قال السهيليُّ ، وأن تكونَ موضوعةً على حرفَيْن فقط ، لأنَّ مِنْ مذهبِهم جوازَ ذلك في الأسماءِ المعربة. وحكمها أنها متى أُضيفت إلى مضمرٍ أعْرِبت إعرابَ المثنى ، إلى ظاهرٍ اُعْرِبَتْ إعرابَ المقصورِ عند جمهورِ العربِ ، وبنو كنانةَ يُعْربونها إعرابَ المثنى مطلقاً فيقولون : رأيت كِلَيْ اَخَوَيْك ، وكونُها جَرَتْ مَجْرى المثنى مع المضمرِ دونَ الظاهر يضيق الوقتُ عن ذكره فإنِّي حَقَّقْتُه في « شرح التسهيل ». ومن أحكامِها : أنها لا تُضاف إلا إلى مثنى لفظاً ومعنى نحو : « كِلا الرجلين » ، معنىً لا لفظاً نحو : ، « كِلانا » ، ولا تُضاف إلى مُفَرِّقَيْنِ بالعطفِ نحو : « كِلا زيد وعمرو » إلا في ضرورةٍ ك ٣٠٤٨- كِلا السيفِ والسَّاقِ الذي ذهبَتْ به . . . على مَهَلٍ باثنين ألقاه صاحبُهْ وكذا لا تُضافُ إلى مفردٍ مرادٍ به التثنيةُ إلا في ضرورةٍ ك ٣٠٤٩- إنَّ للخير والشرِّ مَدَى . . . وكِلا ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ والأكثرُ مطابَقَتُها فَيُفْرَدُ خبرُها وضميرُها نحو : كلاهما قائمٌ ، وكلاهما ضربتُه ، ويجوزُ في قليل : قائمان ، وضربتُهما ، اعتباراً بمعناها ، وقد جَمَعَ الشاعرُ بينهما في ٣٠٥٠- كلاهما حينَ جَدَّ الجَرْيُ بينهما . . . قد أقلعا وكِلا أَنْفَيْهما رابي وقد يَتَعَيَّنُ اعتبارُ اللفظِ نحو : كِلانا كفيلُ صاحبِهِ ، وقد يتعيَّنُ اعتبارُ ، ويُستعمل تابعاً توكيداً ، وقد لا يَتْبَعُ فيقع مبتدأً ومفعولاً به ومجروراً . و « كلتا » في جميعِ ما ذُكِرَ ك « كِلا » ، وتاؤُها بدلُ عن واو ، وألفُها للتأنيث ، ووزنُها فِعْلى كذكرى . وقال يونس : ألفُها أصلٌ تأؤُها مزيدةٌ ، ووزنُها فِعْتَل . وقد رَدَّ عليه الناس ، وله موضعٌ غيرُ هذا . والنسب إليها عند سيبويه : كِلْوِيّ كمذكَّرِها ، وعند يونس : كِلْتَوِيّ لئلا تَلْتَبِسَ ، وهذا القَدْرُ كافٍ في هاتين اللفظتين. « أُفٍّ » « أُفّ » اسمُ فعلٍ مضارعٍ بمعنى أتضجَّر ، وهو قليلٌ؛ فإنَّ أكثرَ بابِ أسماء الأفعال أوامرُ ، وأقلُّ منه اسمُ الماضي ، وأقلُّ منه اسمُ المضارع ك « أُفّ » وأَوَّه ، أي : أتوجَّع ، ووَيْ ، أي : أَعْجَبُ . وكان مِنْ حقِّها أَنْ تُعْرَبَ لوقوعِها موقعَ مُعْرَبٍ ، وفيها لغاتٌ كثيرة وصلها الرُّمَّاني إلى تسع وثلاثين ، وذكر ابنُ عطية لفظةً ، بها تمت الأربعون ، وهي اثنان وعشرون مع الهمزةِ المضمومةِ : أُفُّ ، أُفَّ ، أُفِّ ، بالتشديدِ مع التنوين وَعَدَمِه ، أُفُ ، أُفَ ، أُفِ ، بالتخفيف مع التنوين وعدمه ، أُفْ بالسكون والتخفيف؛ أُفّْ بالسكون والتشديد ، أُفُّه أَفَّه أُفِّه ، أفَّا من غير إمالة ، وبالإِمالة المحضة ، وبالإِمالة بين بين ، أُفُّو أُفِّي : بالواو والياء وإحدى عشرة مع كسرِ الهمزةِ إفَّ إفِّ : بالتشديد مع التنوينِ وعدِمه ، إفُ إفَ إفِ بالتخفيفِ مع التنوينِ وعدمِه ، إفَّا بالإِمالة. وستٌ مع فتح الهمزة : أَفَّ أَفِّ ، بالتشديد مع التنوينِ وعدِمه ، أَفْ بالسكون ، أفا بالألف . فهذه تسعٌ وثلاثون لغةً ، وتمامُ الأربعين « أَفاهْ » بهاء السكت . وفي استخراجها بغيرِ هذا الضابطِ الذي ذكرتُه عُسْرٌ ونَصَبٌ يَحتاج في استخراجِه من كتب اللغة ، ومن كلامِ أهلِها ، إلى تتبُّع كثيرٍ ، والشيخ لم يَزِدْ على أنْ قالَ : « ونحن نَسْردُها مضبوطةً كما رأيناها » فذكرها ، والنسَّاخُ خالفوه في ضبطِه ، فمِنْ ثَمَّ جاء فيه الخَلَلُ ، فَعَدَلْتُ إلى هذا الضابطِ المذكورِ وللّه الحمدُ. وقد قُرِئ من هذه اللغاتِ بسبعٍ : ثلاثٍ في المتواتر ، وأربعٍ في الشاذ ، فقرأ نافعٌ وحفصٌ بالكسر والتنوين ، وابنُ كثير وابنُ عامر بالفتحِ دون تنوين ، والباقون بالكسر دون تنوين ، ولا خلافَ بينهم في تشديدِ الفاء . وقرأ نافعٌ في روايةٍ : أُفٌ بالرفع والتنوين ، وأبو السَّمَّال بالضمِّ مِنْ غير تنوين ، وزيد بن علي بالنصبِ والتنوين ، وابنُ عباس : « أفْ » بالسكون. اهـ (الدر المصون). وتُقْرأ الذِّل - بكسر الذَّالِ - ومعنى (اخفضن لهما جناح الذل). أي ألِنْ لهما جانبك مُتَذَلِّلاً لهما ، من مبالغتك في الرحمة لهما. ويقال : رجل ذليل بين الذُلِّ ، وقد ذل يذِلُّ ذُلاً ، ودَابَّةٌ ذَلُول . بين الذل ، ويجوز أن جميعاً في الِإنسانِ. * * * |
﴿ ٢٤ ﴾