٦٠و (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠) جاء في التفسير : أحاط بهم أيْ كلهُمْ فِي قبضته ، وعن الحسَن أحاط بالناس أي حال بينهم وبين أنْ يقتلوك يَغْلِبُوكَ كما قال - عزَّ وجلَّ - (وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). __________ (١) قال الإمام زين الدين محمد بن أبى بكر الرَّازى فإن قيل : قوله تعالى : (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ . . .الآية) فيها أسئلة أولها : أن اللّه تعالى لا يمنعه عما يريده مانع ، فإن أراد إرسال الآيات كيف يمنعه تكذيب الأمم الماضية ؟ وإن لم يرد إرسالها كان وجود تكذيبهم وعدمه سواء ، وكان عدم الإرسال لعدم الإرادة ، الثانى : أن الإرسال يتعدى بنفسه قال اللّه تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) فأى حاجه إلى الباء ؟ الثالث : أن المراد بالآيات هنا ما اقترحه أهل مكة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من جعل الصفا ذهباً ، وإزالة جبال مكة ليتمكنوا من الزراعة ، وإنزال كتاب مكتوب من السماء ونحو ذلك. وهذه الآيات ما أرسلت إلى الأولين ولا شاهدوها فكيف كذبوها ؟ الرابع : تكذيب الأولين لا يمنع إرسالها إلى الآخرين لجواز أن لا يكذب الآخرون ، الخامس : أي مناسبة وارتباط بين صدر الآية وقوله تعالى : (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) ؟ السادس : ما معنى وصف الناقة بالابصار ؟ السابع : إن الظلم يتعدى بنفسه قال اللّه تعالى : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يَظْلِمْ نَفْسَهُ) فأى حاجة إلى الباء ، وهلا قال فظلموها يعنى بالعقر والقتل ؟ الثامن : أن قوله تعالى : (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) يدل على الارسال بها وقوله تعالى : (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ) يدل على عدم الإرسال بها ؟ قلنا : الجواب على الأول : أن المنع مجازعبر به عن ترك الإرسال بالآيات ، كأنه تعالى قال : وما كان سبب ترك الإرسال بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ، (وعن) الثانى : أنى الباء لتعدية الإرسال إلى المرسل به ، لا إلى المرسل لأن المرسل محذوف وهو الرسول. تقديره : وما منعنا أن نرسل الرسول بالآيات ، والإرسال يتعدى إلى المرسل نفسه وإلى المرسل به بالباء ، وإلى المرسل إليه بالى قال اللّه تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) وعن الثالث : أن الضمير في قوله تعالى : (بها) عائد إلى جنس الآيات المقترحة لا إلى هذه الآيات المقترحة كأنه تعالى قال : وما منعنا أن نرسل بالآيات التى اقترحها أهل مكة إلا تكذيب من قبلهم بالآيات المقترحة يريد المائدة والناقة ونحوهما مما اقترحه الأولون على أنبيائهم ، (وعن) الرابع : أن سنة اللّه تعالى في عباده أن من اقترح آية على الأنبياء وأتوه بها فلم يؤمن عجل اللّه هلاكه ، واللّه تعالى لم يرد هلاك مشركى مكة لأنه تعالى علم أنه يولد منهم من يؤمن ، لأنه قضى وقدر في سابق علمه بقاء من بعث إليهم محمد عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة ، فلو أرسل بالآيات التى اقترحوها فلم يؤمنوا لأهلكهم ، وحكمته اقضت عدم إهلاكهم ، فلذلك لم يرسل بها فيصير معنى الآية وما منعنا أن نومل بالآيات المقترحة عليك إلا أن كذب بالآيات المقترحة الأولون فأهلكوا فربما كذب بها قومك فأهلكوا. (وعن) الخامس : أنه تعالى لما أخبر أن الأولين كذبوا بالآيات المقترحة عين منها واحدة وهى ناقة صالح عليه الصلاة والسلام ، لأن آثار ديارهم المهلكة في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم . (وعن) السادس : أن معنى مبصرة دالة كما يقال الدليل مرشد وهاد ، وقيل : مبصراً بها كما يقال : ليل نائم ونهار صائم أي ينام فيه ويصام فيه ، وقيل : معناه مبصرة يعنى أنها تبصر الناس صحة نبوة صالح عليه الصلاة والسلام ، ويعضد هذا قراءة من قرأ مبصرة بفتح الميم والضاد أي تبصرة ، وقيل : مبصرة صفة لآية محذوفة تقديره : آية مبصرة أي مضيئة بينة ، (وعن) السابع : أن الباء ليست لتعدية الظلم - هنا - إلى الناقة بل معناه فظلموا أنفسهم بقتلها بسببها ، وقيل : الظلم - هنا - الكفر ، فمعناه فكفروا بها ، فلما ضمن الظلم معنى الكفر عداه تعديته. (وعن) الثامن : أن المراد بالآيات ثانياً العبر والدلالات لا الآيات التى اقترحها أهل مكة. أ هـ أنموذج جليل في أسئلةٍ وأجوبةٍ عن غرائبِ آي التنزيل صـ ٢٨٣ - ٢٨٦ و (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ). جاء في التفسير أنها رُؤيَا بيت المقدس حين أسْرِيَ به ، وذلك أنه ارتدَّ بعضهم حين أعلمهم قصة الإسراء به ، وازداد المؤمنونَ المخلصون إيماناً. وجاء في التفسير أنه يرِو رأى في منامِه قَوماً يرقون المنابِرِ فساءه ذلك ، فأعلم - صلى اللّه عليه وسلم - أنه عطاء في الدنيا. (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ). قيل في التفسير الملعون أكلُها ، وهِيَ شجرةُ الزقُّومِ التي ذكرها اللّه في القرآن فقال : (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤). وقال : (فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦). وقال : (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤). فافتتن بها المشركونَ ، فقال أبو جهل : ما نعرف الزقوم إلا أكل التمر بالزبد فتزقموا. وقال بعضُ المشركين : النار تأكل الشجر فكيف ينبتُ فيها الشجر ، فلذلك قال جل ثناؤه : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ). فإن قال قائل : ليس في القرآن ذكر لَعْنِها ؟ فالجواب في ذلك لُعِنَ الكُفَارُ وهم آكلوها. وجواب آخر أيضاً أن العرب تقول لكل طعام مكروه وَضَارٍّ : مَلْعُونٌ. * * * |
﴿ ٦٠ ﴾