٥٩

و (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)

 وأهل تلك القرى أهلكناهم ، يعنى به من أهْلَكَ من الأمَمُ

الخالية ، نحو عاد وثمود وقوم لوط ومن ذُكِرَ بالهَلاَكِ.

و (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً).

أي أجَلًا ، وفيها ثلاثة أوجه (١) : لِمُهْلَكِهِمْ ، وتأويل الْمُهْلَكِ على ضربين.

على المصدر ، وعلى الوقت ، معنى المصدر لإهْلَاكهم ، ومعنى الوَقتِ لِوَقْتِ

هلاكهم وكل فعل ماض على أفعل فالمصدر منه مُفْعَل ،  إفْعَال ، واسمُ

الزمَانِ منه مُفْعَل ، وكذلك اسم المكان ، تقول أدخَلْتُه مُدْخَلاً ، وهذا مُدْخَله

أي المكانُ الذي يدخل زيد منه ، وهذا مُدْخَلُه أي وقت - إدخاله ، ويجوز أن

يقرأ (لمَهْلِكِهم) على أن يكون مَهْلك اسماً للزمَانِ على معنى هَلَك يهلِكُ.

وهذا زمن مَهْلِكِه مثل جلس يجلس ، إذا أردت المكان  الزمَانَ ، فإذا أردت

المَصْدَرَ قلت مَهْلَك بفتح اللام مثل مجلَس ، يقال : أتَتْ الناقةُ عَلَى مَضْرِبها

__________

(١) قال السَّمين :

 « لِمَهْلِكِهِمْ » قرأ عاصم « مَهْلَك » بفتح الميم ، والباقون بضمها ، وحفصٌ بكسر اللام . والباقون بفتحها . فتحصَّل مِنْ ذلك ثلاثُ قراءاتٍ ، لعاصم قراءتان : فتحُ الميم/ مع فتحِ اللامِ ، وهي روايةُ أبي بكرٍ عنه . والثانية فتح الميم مع كسر اللام وهي روايةُ حفصٍ عنه . والثالثةُ : ضمُّ الميمِ وفتحُ اللام ، وهي قراءةُ الباقين.

فأمَّا قراءةُ أبي بكر ف « مَهْلَك » فيها مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه . وجوَّز أبو عليّ أن يكونَ مضافاً لمفعوله . وقال : « إنَّ » هَلَك « يتعدَّى دون همز وأنشد :

٣١٧٤- ومَهْمَهٍ هالكٍ مَنْ تعرَّجا . . . ف » مَنْ « معمولٌ ل » هالكٍ « وقد مَنَع الناسُ ذلك وقالوا : لا دليلَ في البيتِ لجواز أن يكونَ مِنْ بابِ الصفةِ المشبهةِ . والأصل : هالك مَنْ تعرَِّجا . ف » مَنْ تعرَّج « فاعلٌ بهالك ، ثم أَضْمر في » هالِك « ضميرَ » مَهْمه « ونَصَبَ » مَنْ تعرَّج « نَصْبَ » الوجهَ « في قولِك : » مَرَرْتُ برجلٍ حَسَنِ الوجهَ « ثم أضاف الصفة وهي » هالك « إلى معمولها ، فالإِضافةُ مِنْ نصبٍ ، والنصبُ مِنْ رفعٍ . فهو كقولك : » زيدٌ منطلقُ اللسان ومنبسط الكفِّ « ، ولولا تقديرُ النصبِ لامتنعَتِ الإِضافةُ؛ إذ اسمُ الفَاعلِ لا يُضاف إلى مرفوعِه . وقد يُقال : لا حاجةَ إلى تقديرِ النصب ، إذ هذا جارٍ مَجْرَى الصفةِ المشبهة ، والصفةُ المشبهةُ تُضافُ إلى مرفوعها ، إلا أنَّ هذا مبنيٌّ على خلافٍ آخر وهو : هل يقعُ الموصولُ في بابِ الصفة أم لا؟ والصحيح جوازه . قال الشاعر :

٣١٧٥- فَعُجْتُها قِبََلَ الأخيار منزلةً . . . والطيِّبي كلِّ ما التاثَتْ به الأُزُرُ

وقال الهذلي :

٣١٧٦- أَسِيْلاتُ أبدانٍ دِقاقٌ خُصورُها . . . وَثِيراتُ ما التفَّتْ عليها الملاحِفُ

وقال الشيخ في قراءة أبي بكر هذه : » إنه زمانٌ « ولم يذكرْ غيرَه . وجوَّز غيرُه فيه الزمانَ والمصدرَ . وهو عجيبٌ؛ فإنَّ الفعلَ متى كُسِرَتْ عينُ مضارعِهِ فُتِحَتْ في المَفْعَل مراداً به المصدرُ ، وكسِرَتْ فيه مراداً به الزمانُ والمكانُ ، وكأنه اشتبهَتْ عليه بقراءةِ حفصٍ فإنَّه بكسرِ اللام كما تقدَّم ، فالمَفْعِلُ منه للزمانِ والمكان.

وجوَّز أبو البقاء في قراءته أَنْ يكونَ المَفْعِل فيها مصدراً . قال : » وشَذَّ فيه الكسرُ كالمَرْجِعِ « . وإذا قلنا إنه مصدرٌ فهل هو مضافٌ لفاعِله  مفعولِه؟ يجيءُ ما تقدَّم في قراءةِ رفيقِه . وتخريجُ أبي عليّ واستشهادُه بالبيت والردُّ عليه ، كلُّ ذلك عائدٌ هنا.

وأمَّا قراءةُ الباقين فواضحةٌ . و » مُهْلَك « فيها يجوز أن يكونَ مصدراً مضافاً لمفعولِه ، وأَنْ يكون زماناً ، ويَبْعُدُ أن يُرادَ به المفعولُ ، أي : وجَعَلْنا للشخصِ  الفريقِ المُهْلِكِ منهم. اهـ (الدُّرُّ المصُون).

أي على زمانِ ضِرَابِها ، وتقول جَلس مجْلَساَ - بفتح اللام - ومثله هلك مَهْلَكاً أي هُلْكاً.

وموضع (تلكَ القرَى) رفع بالابتداء ، والقرى صفة لها مُبَيّنَة ، وأهلكناهم

خبر الابتداء . وَجَائِزُ أن يكون موضع (تلك القرى) نَصْباً ويكون (أهكناهم)

مُفسِّراً للناصِب ، ويكون  وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم.

* * *

﴿ ٥٩