٩١

و (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)

" التي " في موضع نَصْبٍ ،  واذكر التي أحصنت فرجها.

ويروى في بعض التفسير أنه يعني جيبها.

__________

(١) قال السَّمين :

  وكذلك نُنجِي  : الكاف نعتٌ لمصدرٍ  حالٌ من ضميرِ المصدرِ . وقرأ العامَّة « نُنْجي » بضم النونِ الأولى وسكونِ الثانية مِنْ أَنْجى يُنْجي . وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم « نُجِّيْ » بتشديد الجيمِ وسكونِ الياءِ . وفيها أوجهٌ ، أحسنها : أن يكونَ الأصل « نُنَجِّي » بضمِّ الأولى وفتح الثانيةِ وتشديد الجيمِ ، فاستثقل توالي مِثْلين ، فحُذِفت الثانيةٌ ، كما حُذِفَت في قوله  وَنُزِّلَ الملائكة  [ الفرقان : ٢٥ ] في قراءةِ مَنْ قرأه كما تقدَّم ، وكما حُذِفَتْ التاءُ الثانيةُ في قولِه  تَذَكَّرُونَ  [ الأنعام : ١٥٢ ] و  تَظَاهَرُونَ  [ البقرة : ٨٥ ] وبابِه.

ولكنَّ أبا البقاء استضعَفَ هذا التوجيهَ بوجهين فقال : « أحدهُما : أنَّ النونَ الثانية أصلٌ ، وهي فاءُ الكلمةِ فَحَذْفُها يَبْعُدُ جداً . و

الثاني : أنَّ حركَتها غيرُ حركةِ النونِ الأولى ، فلا يُسْتَثْقَلُ الجمعُ بينهما بخلافِ » تَظاهَرون « ألا ترى أنَّك لو قلتَ : » تُتَحامى المظالِمُ « لم يَسُغْ حَذْفُ الثانية ».

أمَّا كونُ الثانيةِ أصلاً فلا أثرَ له في مَنْعِ الحَذْفِ ، ألا ترى أن النَّحْويين اختلفوا في إقامة واستقامة : أيُّ الألفينِ المحذوفة؟ مع أنَّ الأولى هي أصلٌ لأنَّها عينُ الكلمةِ . وأمَّا اختلافُ الحركةِ فلا أثرَ له أيضاً؛ لأنَّ الاستثقالَ باتحادِ لفظِ الحرفين على أيِّ حركةٍ كانا.

الوجه

الثاني : أن « نُجِّي » فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعول ، وإنما سُكِّنَتْ لامُه تخفيفاً ، كما سُكِّنت في   مَا بَقِيْ مِنَ الربا  [ البقرة : ٢٧٨ ] في قراءةٍ شاذةٍ تقدَّمَتْ لك . قالوا : وإذا كان الماضي الصحيحُ قد سُكِّن تخفيفاً فالمعتلُّ أولى ، فمنه :

٣٣٥٧ إنّما شِعْرِيَ قَيْدٌ . . . قد خُلِطْ بجُلْجُلانِ

وقد ذَكَرْتُ منه جملةً صالحةً.

وأُسْنِدَ هذا الفعلُ إلى ضميرِ المصدرِ مع وجودِ المفعول الصريحِ كقراءةِ أبي جعفرٍ  ليجزى قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  [ الجاثية : ١٤ ] وهذا رأيُ الكوفيين والأخفش . وقد ذكرْتُ له شواهدَ فيما مضى من هذا التصنيفِ ، والتقدير : نُجِّيَ النَّجاءُ . قال أبو البقاء : « وهو ضعيفٌ من وجهين ، أحدُهما : تسكينُ آخرِ الفعلِ الماضي ، والآخرُ إقامةُ المصدرِ مع وجودِ المفعولِ الصَّريح » . قلت : عَرَفْتَ جوابَهما ممَّا تقدم.

الوجه الثالث : أنَّ الأصلَ : ننجِّي كقراءةِ العامة ، إلاَّ أنَّ النونَ الثانيةَ قُلِبَتْ جيماً ، وأُدغِمت في الجيم بعدها . وهذا ضعيفٌ جداً؛ لأن النونَ لا تُقارِبُ الجيمَ فتُدغَمُ فيها.

الوجه الرابع : أنه ماضٍ مسندٌ لضمير المصدرِ أي : نُجِّي النَّجاءُ كما تقدم في الوجه الثاني ، إلاَّ أن « المؤمنين » ليس منصوباً بنجِّي بل بفعلٍ مقدرٍ ، وكأنَّ صاحبَ هذا الوجهِ فَرَّ من إقامةِ غيرِ المفعول به مع وجودِه ، فجعله مِنْ جملةٍ أخرى.

وهذا القراءةُ متواترةٌ ، ولا التفاتَ على مَنْ طَعَن على قارئِها ، وإنْ كان أبو عليٍ قال : « هي لحنٌ » . وهذه جرأةٌ منه قد سبقه إليها أبو إسحاق الزجَّاج . وأمَّا الزمخشري فلم يَطْعن عليها ، إنما طعن على بعضِ الأوجهِ التي قدَّمْتُها فقال : « ومَنْ تَمَحَّل لصحتِه فجعله فُعِل وقال : نُجِّي النَّجاءُ المؤمنين ، فأرسل الياء وأسنده إلى مصدرِه ونَصَبَ المؤمنين ، فتعسُّفٌ باردُ التعسُّفِ » . قلت : فلم يَرْتَضِ هذا التخريجَ بل للقراءةِ عنده تخريجٌ آخرُ . وقد يمكنُ أن يكونَ هو الذي بدأت به لسلامتِه ممَّا تقدَّم من الضعف.

اهـ (الدُّرُّ المصُون).

(وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)

لو قيل آيتين لصلح ، ولكن لما كان شأنهما واحدا ، وكانت الآية فيهما جميعا معناها آية واحدة ، وهي ولادة من غير فحل ، جاز أن يقول آية.

﴿ ٩١