٩٧

و (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)

قال بعضهم : [لا يجوز طرح الواو] (٢).

والجوابُ عِندَ البَصْريِّينَ  (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا)

وههنا قول محذوف ،  حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوجُ واقترب الوعْدُ الحق قالوا : (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ).

وجاء في التفسير أن خروجَ يأجوجَ ومأجوجَ من أعْلَامِ الساعة.

__________

(١) قال السَّمين :

  وَحَرَامٌ  : قرأ الأخَوان وأبو بكر ورُوِيَتْ عن أبي عمرو « وحِرْمٌ » بكسرِ الحاء وسكونِ الراءِ . وهما لغتان كالحِلِّ والحَلال . وقرأ بن عباس وعِكْرمة و « حَرِمَ » بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم ، على أنه فعلٌ ماضٍ ، ورُوي عنهما أيضاً وعن أبي العالية بفتح الحاء والميم وضمِّ الراءِ بزنة كُرمَ ، وهو فعلٌ ماض أيضاً . ورُوي عن ابن عباس فتحُ الجميع . وهو فعلٌ ماضٍ أيضاً . واليمانيُّ بضم الحاء وكسر الراءِ مشددةً وفتح الميم ماضياً مبنياً للمفعول . ورُوي عن عكرمةَ بفتح الحاء وكسرِ الراء و تنوين الميم.

فَمَنْ جعله اسماً : ففي رفعه وجهان ، أحدهما : أنه مبتدأ ، وفي الخبر حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدهُا : قوله  أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ  وفي ذلك حينئذٍ أربعةُ تأويلاتٍ ، التأويلُ

الأولُ : أنَّ « لا » زائدةٌ والمعنى : وممتنعٌ على قريةٍ قدَّرْنا إهلاكَها لكفرِهم رجوعُهم إلى الإِيمانِ ، إلى أَنْ تقومَ الساعةُ . وممَّن ذهب إلى زيادتِها أبو عمروٍ مستشهداً عليه بقولِه تعالىمَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ  [ الأعراف : ١٢ ] يعني في أحدِ القولين . التأويل

الثاني : أنها غيرُ زائدةٍ ، وأنَّ  : أنَّهم غيرُ راجعين عن معصيتهم وكفرِهم . التأويلُ الثالث : أنَّ الحرامَ يُرادُ به الواجب . ويَدُلُّ عليه قولُه تعالىقُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ  [ الأنعام : ١٥١ ] وتَرْكُ الشِّرْكِ واجبٌ ، ويَدُلُّ عليه أيضاً قولُ الخنساء :

٣٣٥٩ حرامٌ عليَّ لا أرى الدهرَ باكياً . . . على شَجْوِه إلا بَكَيْتُ على صَخْرِ

وأيضاً فمن الاستعمالِ إطلاقُ أحدٍ الضدين على الآخرِ.

ومِنْ ثَمَّ قال الحسن والسدي : لا يَرْجِعون عن الشرك . وقال قتادة : إلى الدنيا . التأويل الرابع : قال أبو مسلم ابن بَحْر : « حرامٌ : ممتنع . وأنهم لا يرجعون : انتفاء الرجوعِ إلى الآخرةِ ، فإذا امتنع الانتفاءُ وَجَبَ الرجوعُ . فالمعنى : أنه يجبُ رجوعُهم إلى الحياة في الدار الآخرة . ويكون الغرضُ إبطالَ قولِ مَنْ يُنْكر البعثَ . وتحقيقُ ما تقدَّم من أنه لا كُفْرانَ لسَعْي أحدٍ ، وأنه يُجْزَى على ذلك يومَ القيامةِ » . وقولُ ابن عطية قريبٌ من هذا قال : « وممتنعٌ على الكفرةَ المُهْلَكين أنهم لا يَرْجعون إلى عذاب اللّه وأليم عِقابِه ، فتكون » لا « على بابِها ، والحرامُ على بابه ».

الوجه

الثاني : أنَّ الخبرَ منحذوفٌ تقديرُه : حرامٌ توبتُهم  رجاءُ بعثهم ، ويكونُ « أنَّهم لا يَرْجعون » علةً لما تقدَّم من معنى الجملة ، ولكن لك حينئذ في « لا » احتمالان ، الاحتمال

الأول : أَنْ تكونَ زائدةً . ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجهِ بعدَ تقديرِه الخبرَ المتقدم : « إذا جَعَلْتَ لا زائدةً » قلت : والمعنى عنده : لأنهم يَرْجعون إلى الآخرة وجزائها . الاحتمال

الثاني : أن تكونَ غيرَ زائدةٍ بمعنى : ممتنعٌ توبتُهم  رجاءُ بعثِهم؛ لأنهم لا يَرْجعون إلى الدنيا فَيَسْتدركوا فيها ما فاتهم من ذلك.

الوجهُ الثالث : أَنْ يكونَ هذا المبتدأ لا خبرَ له لفظاً ولا تقديراً ، وإنما رَفَع شيئاً يقوم مقامَ خبرِه من باب « أقائم أخواك » . قال أبو البقاء : « والجيدُ أن يكونَ » أنهم « فاعلاً سَدَّ مَسَدَّ الخبر » ، قلت : وفي هذا نظرٌ؛ لأن ذلك يًُشْترطُ فيه أن يَعتمد الوصفُ على نفيٍ  استفهامٍ ، وهنا فلم يعتمِدْ المبتدأُ على شيءٍ من ذلك ، اللّهم إلاَّ أَنْ ينحوَ نَحْوَ الأخفشِ ، فإنه لا يَشترطُ ذلك . وقد قررتُ هذه المسألةَ في غيرِ هذا الموضوع ، والذي يظهر قولُ الأخفش ، وحينئذ يكون في « لا » الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمِها ، باختلاف معنيين : أي امتنع رجوعُهم إلى الدنيا  عن شركِهم إذا قَدَّرْتَها زائدةٌ ،  امتنع عدمُ رجوعِهم إلى عقابِ اللّه في الآخرة إذا قَدَّرْتها غيرَ زائدة.

الوجه

الثاني : من وجهَيْ رفعِ « حرام » أنه خبرُ مبتدأ محذوف ، فقدَّره بعضهم : الإِقالةُ والتوبةُ حرامٌ . وقَدَّره أبو البقاء : « أي ذلك الذي ذُكِرَ من العملِ الصالحِ حرامٌ » . وقال الزمخشري : « وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها ذَاك ، وهو المذكورُ في الآية المتقدمةِ من العملِ الصالح والسَّعيِ المشكورِ غير المكفورِ . ثم عَلَّل فقيل : إنهم لا يرجعون عن الكفر فكيف لا يمتنع ذلك؟

وقرأ العامَّةُ » أَهْلكناها « بنونِ العظمة . وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادةُ » أهلكتُها « بتاءِ المتكلم . ومَن قرأ » حَرِمٌ « بفتح الحاءِ وكسرِ الراء وتنوينِ الميم ، فهو في قراءتِه صفةٌ على فَعلِ نحو : حَذِر . وقال :

٣٣٦٠ وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ . . . يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ

ومَنْ قرأه فعلاً ماضياً فهو في قراءتِه مسندٌ ل » أنَّ « وما في حَيِّزها . ولا يَخْفى الكلامُ في » لا « بالنسبة إلى الزيادةِ وعدمِها ، فإنَّ  واضحٌ مما تقدَّم وقُرِىء » إنَّهم « بالكسرِ على الاستئناف ، وحينئذٍ فلا بد من تقديرِ مبتدأ يَتِمُّ به الكلام ، تقديرُه : ذلك العملُ الصالحُ حرامٌ . وتقدَّم تحريرُ ذلك. اهـ (الدُّرُّ المصُون).

(٢) التصويب من تفسير البغوي.

﴿ ٩٧