٣٧(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) ومعنى : (لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ). أي لا يشغلهم أَمر عن ذَلِكَ. ويروى أن ابن مَسْعُودٍ رأى قوماً من أَهْل السوقِ ، وقد نُودِيَ بالصَّلَاةِ فتركوا بِيَاعاتِهِمْ ونَهضُوا إلَى الصَّلاةِ ، فقال : هؤلاء من الذين قال اللّه - عز وجل - فيهم ، (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه). و (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) الكلام أقمت الصلاة إقَامَةً ، وأصلها أقَمْتُ إقْوامَاً ، ولكن قُلِبَت الوَاوَ أَيضاً فاجتمعت ألفان ، فحذفت إحداهما لالْتِقَاءِ السَّاكنين ، فبقي أَقَمْتُ الصلاة إقامَةً وأدخِلَتِ الهاء عِوَضاً من المَحْذُوفِ ، وقامت الإضافة ههنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة. وهذا إجماع من النحويين. و (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ). ويجوز تَقلَّبُ فيه القلوب والأبْصَارُ ، في غير القرآنِ ، ولا يجوز في القران " تَقَلَّبُ ، لأن القراءة سنة لا تخالَفُ وإن جاز في العربية ذَلِكَ. __________ (١) قال السَّمين : يُسَبِّحُ قرأ ابنُ عامرٍ وأبو بكر بفتح الباء مبنياً للمفعولِ . والقائمُ مَقامَ الفاعلِ أحدُ المجروراتِ الثلاثة . والأولى منها بذلك الأولُ لاحتياجِ العاملِ إلى مرفوعِه ، والذي يليه أولى . و « رجالٌ » على هذه القراءةِ مرفوعٌ على أحدِ وجهين : إمَّا بفعلٍ مقدرٍ لِتَعَذُّرِ إسنادُ الفعلِ إليه ، وكأنه جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ ، كأنه قيل : مَنْ يُسَبِّحه؟ فقيل : يُسَبِّحُه رجالٌ . وعليه في أحدِ الوجهين قولُ الشاعر : لِيُبْكَ يََزِيْدُ ضارعٌ لخُصُومَةٍ . . . ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيحُ الطَّوائحُ كأنه قيل : مَنْ يبكيه؟ فقيل : يَبْكيه ضارعٌ . إلاَّ أنَّ في اقتياس هذا خلافاً ، منهم مَنْ جَوَّزَه ، ومنهم مَنْ مَنعه . والوجهُ الثاني في البيت : أنَّ « يَزيدُ » منادى حُذِف منه حرفُ النداءِ أي : يا يزيد ، وهو ضعيف جداً. و الثاني : أنَّ رجالاً خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي : المُسَبِّحه رجالٌ . وعلى هذه القراءةِ يُوْقفُ على الآصال. وباقي السبعةِ بكسرِ الباءِ مبنياً للفاعل . والفاعلُ « رجال » فلا يُوْقَفُ على الآصال. وقرأ ابن وثاب وأبو حيوة « تُسَبِّح » بالتاءِ مِنْ فوقُ وكسرِ الباء؛ لأنََّ جَمْعَ التكسيرِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المؤنثِ في بعض الأحكامِ وهذا منها . وقرأ أبو جعفر كذلك إلاَّ أنَّه فَتَح الباءَ . وخَرَّجها الزمخشري على إسنادِ الفعل إلى الغُدُوّ والآصال على زيادة الباء ، كقولهم : « صِيْد عليه يومان » أي : وَحْشُها . وخَرَّجها غيرُه على أنَّ القائمَ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ التسبيحة أي : تُسَبَّح التسبيحةُ ، على المجازِ المُسَوَّغ لإِسنادِه إلى الوقتين ، كما خَرَّجوا قراءةَ أَبي جعفرٍ أيضاً ليجزى قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [ الجاثية : ١٤ ] أي : ليجزى الجزاءُ قوماً ، بل هذا أَوْلى مِنْ آيةِ الجاثية؛ إذ ليس هنا مفعولٌ صريح. اهـ (الدُّرُّ المصُون) ومعنى تَتَقلًبُ أي تَرْجُفُ وَتَجفُ من الجَزَعِ والخَوْفِ ، ومعناه أَن مَنْ كَانَ قلبُه مُوقِناً بالبعث والقيامَةِ ازداد بَصِيرَةً ، ورأى ما يحبُّه مما وُعِدَ بِهِ ، ومن كان قلبه على غير ذلك رأى ما يُوقِنُ مَعَهُ بِأمْرِ القِيامة والبعْثِ ، فَعَلِمَ ذلك بقلبه وشاهده بِبَصَرِه ، فذلك تَقَلبُ القلوب والأبْصَار. * * * |
﴿ ٣٧ ﴾