٤١

و (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّه يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّه عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)

ويجوز " والطيرَ " على معنى : " يسبح له الخلق مَعَ الطيْرِ " ولم يُقْرأْ بها.

و (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ).

معاه كل قد علم اللّه صَلاتَه وتسبيحَه ، والصلاة للناس ، والتسبيح لغير

الناس ، ويجوز أن يكون (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) كل شيء قد علم

__________

(١) قال السَّمين في سورة البقرة :

قوله تعالى :  يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ  : « يكادُ » مضارع كَادَ ، وهي لمقاربةِ الفعل ، تعملُ عمل « كانَ » ، إلاَّ أنَّ خَبَرها لا يكونُ إلا مضارعاً ، وشَذَّ مجيئُه اسماً صريحاً ، قال :

٢٤١ فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آيباً . . . وكم مثلِها فارَقْتُها وهي تَصْفِرُ

والأكثرُ في خبرِها تجرُّدُهُ من « أنْ » عَكَسَ « عسى » ، وقد شَذَّ اقترانُهُ بها ، وقال رؤبة :

٢٤٢ قد كادَ مِنْ طولِ البلى أن يَمْحَصا . . . لأنها لمقاربةِ الفعلِ ، و « أَنْ » تُخَلِّصُ للاستقبال ، فَتَنَافَا . واعلم أنَّ خَبَرَها إذا كانَتْ هي مثبتةً- منفيٌّ في  لأنها للمقاربة ، فإذا قلت : « كاد زيدٌ يفعلُ » كان معناه قارَبَ الفعلَ ، إلا أنه لم يَفْعَل ، فإذا نُفِيَتْ انتفَى خبرُها بطريقِ الأَوْلى ، لأنه إذا انْتَفَتْ مقاربةُ الفعل/ انتفى هو من باب أَوْلَى ولهذا كانَ قَولُه تعالىلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  [ النور : ٤٠ ] أبلغَ مِنْ أَنْ لو قيل : لم يَرَها ، لأنه لم يقارِبِ الرؤيةَ فكيف له بها؟ وزعم جماعةٌ منهم ابن جني وأبو البقاء وابنُ عطية أنَّ نفيَها إثباتُ وإثباتَها نفيٌ ، حتى أَلْغَزَ بعضُهم فيها فقال :

٢٤٣ أَنَحْوِيَّ هذا العصرِ ما هي لفظةٌ . . . جَرَتْ في لِسانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودِ

إذا نُفِيَتْ - واللّه أعلمُ - أُثْبِتَتْ . . . وإِنْ أُثْبِتَتْ قامَتْ مَقَامَ جُحُودِ

وَحَكَوْا عن ذي الرمة أنه لمَّا أَنْشَدَ

٢٤٤ إذا غَيَّر النأيُ المحِبِّينَ لم يَكَدْ . . . رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ

عِيْبَ عليه لأنه قال : لَمْ يَكَدْ يَبْرَحُ فيكون قد بَرِحَ ، فغيَّره إلى  « لم يَزَلْ »  ما هو بمعناه ، والذي غَرَّ هؤلاء قولُهُ تعالى فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ  [ البقرة : ٧١ ] قالوا : فهي هنا منفيَّةٌ وخبرُها مُثْبَتٌ في  ، لأن الذبْحَ وقع ل « فَذَبَحُوها » . والجوابُ عن هذهِ الآية من وَجْهَين ، أحدُهما : أنه يُحْمَلُ على اختلافِ وَقْتَيْنِ ، أي : ذَبَحوها في وقتٍ ، وما كادوا يفعلونَ في وقتٍ آخرَ ، و

الثاني : أنه عَبَّر بنفيِ مقاربةِ الفعل عن شدَّةِ تعنُّتِهِمْ وعُسْرِهِم في الفعلِ.

وأمَّا ما حَكَوْهُ عن ذي الرُّمَّة فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرُّمة في رجوعِهِ عن قولِهِ ، وقالوا : هو أَبْلَغُ وأحسنُ مِمَّا غَيَّره إليه.

واعلم أَنَّ خَبَرَ « كاد » وأخواتِها غيرَ عسى لا يكون فاعلُه إلا ضميراً عائداً على اسمها ، لأنها للمقارَبَةِ  للشروع بخلافِ عسى ، فإنها للترجِّي ، تقول : « عسى زيدٌ أن يقومَ أبوه » ، ولا يجوز ذلك في غيرها ، فأمَّا

٢٤٥ وَقَفْتُ على رَبْعٍ لِميَّةَ ناقتي . . . فما زِلْتُ أبكي عندَهُ وأُخَاطِبُهْ

وَأَسْقِيهِ حتى كَادَ مِمَّا أَبُثُّه . . . تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُه ومَلاعِبُهْ

فأتى بالفاعلِ ظاهراً فقد حَمَلَه بعضُهم على الشذوذِ ، وينبغي أن يُقال : إنما جاز ذلك لأن الأحجارَ والملاعب هي عبارةٌ عن الرَّبْع ، فهي هو ، فكأنه قيل : حتى كاد يكلِّمني ، ولكنه عَبَّر عنه بمجموع أجزائه ، وقولُ الأخر :

٢٤٦ وقد جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُني . . . ثَوْبي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشاربِ السَّكِرِ

وكنتُ أمشي على رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً . . . فَصِرْتُ أمشي على أخرى من الشجر

فأتى بفاعل [ خبر ] جَعل ظاهراً ، فقد أُجيب عنه بوجهين : أحدُهما : أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديره : وقد جَعَل ثوبي إذا ما قمت يُثْقلني . و

الثاني : أنه من باب إقامةِ السببِ مُقامَ المُسَبَّبِ ، فإنَّ نهوضَه كذا متسبِّبٌ عن إثقالِ ثوبِه إياه ، والمعنى : وقد جَعَلْتُ أَنْهَضُ نَهْضَ الشارب الثملِ لإِثقالِ ثوبي إياي.

ووزن كاد كَودِ بكسر العين ، وهي من ذواتِ الواو ، كخاف يَخاف ، وفيها لغةٌ أخرى : فتحُ عينها ، فعلى هذه اللغةِ تُضَمُّ فاؤُها إذا أُسْنِدَتْ إلى تاء المتكلم وأخواتِها ، فتقولُ : كُدْت وكُدْنا مثل : قُلْت وقُلْنا ، وقد تُنْقَلُ كسرةُ عينها إلى فائِها مع الإِسناد إلى ظاهر ، ك

٢٤٧ وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكُلْنَ جُثَّتي . . . وكِيدِ خِراشٌ عند ذلك يَيْتَمُ

ولا يجوز زيادتُها خلافاً للأخفشِ ، وسيأتي هذا كلُه في « كاد » الناقصة ، أمَّا « كاد » التامة بمعنى مَكَر فإنها فَعَل بفتح العين من ذواتِ الياء ، بدليل   إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً  [ الطارق : ١٥ - ١٦ ] . اهـ

وقال في سورة النور ما نصه :

وقد تقدَّم الكلامُ في « كاد » ، وأن بعضَهم زَعَم أنَّ نَفْيَها إثباتٌ وإثباتَها نفيٌ . وتَقَدَّمَتْ أدلةُ ذلك في البقرة فَأَغْنى عن إعادتِه . وقال الزمخشري هنا : « لم يَكْدَ يَراها مبالغةٌ في لم يرها أي : لم يَقْرُبُ أَنْ يَراها فضلاً أنْ يَراها . ومنه قولُ ذي الرمة :

إذا غَيَّر النَّأْيُ المُحِبِّيْنَ لم يَكَدْ . . . رَسِيْسُ الهوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ

أي : لم يَقْرُبْ مِنْ البَراح فما بالُه يَبْرَحُ » . وقال أبوة البقاء : « أختلف الناسُ في تأويلِ هذا الكلامِ . ومَنْشَأُ الاختلافِ فيه : أنَّ موضوعَ » كاد « إذا نُفِيَتْ : وقوعُ الفعلِ . وأكثرُ المفسِّرين على أن  : أنَّه لا يرى يدَه ، فعلى هذا : في التقديرِ ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدُها : أنَّ التقديرَ : لم يَرَها ولم يَكَدْ ، ذَكرَه جماعةٌ من النحويين . وهذا خطأٌ؛ لأنَّ قولَه » لم يَرَها « جزمٌ بنفيِ الرؤيةِ و » لم يَكَدْ « إذا أخرجها على مقتضى البابِ كان التقديرُ : ولم يكَدْ يَراها كما هو مُصَرَّحٌ به في الآية . فإنْ أراد هذا القائلُ أنَّه لم يَكَدْ يراها ، وأنه رآها بعد جُهْدٍ ، تناقَضَ؛ لأنه نفى الرؤية ثم أَثْبَتها ، وإنْ كان معنى » لم يكَدْ يَراها « : لم يَرَها ألبتَّةََ على خلافِ الأكثرِ في هذا الباب ، فينبغي أَنْ يُحْمَلَ عليه مِنْ غير أَنْ يُقَدِّرَ لم يَرَها . والوجه

الثاني : أنَّ » كاد « زائدةٌ وهو بعيدٌ . والثالث : أنَّ » كاد « أُخْرِجَتْ ههنا على معنى » قارب « والمعنى : لم يقارِبْ رؤيتَها ، وإذا لم يقارِبْها باعَدَها. اهـ (الدُّرُّ المصُون).

صلاة نفسه وتسبيحَهَا ، ويجوز أن يكون كل إنسان قَدْ عَلِمَ صلاة اللّه ، وكل

شيء قد علم تسبيح اللّه.

والأجود أن يكون كل قد علم اللّه صلاته وتسبيحه.

ودليل ذلك قوله - (واللّه عَليم بِمَا يَفْعَلُونَ).

* * *

﴿ ٤١