٨

ثم قال : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)

__________

(١) قال السَّمين :

  خَاضِعِينَ  فيه وجهان ، أحدُهما : أنه خبرٌ عن « أعناقُهم » . واستُشْكِلَ جمعُه جمعَ سلامةٍ لأنه مختصٌّ بالعقلاءِ . وأُجيب عنه بأوجهٍ ، أحدُها : أنَّ المرادَ بالأعناق الرؤساءُ ، كما قِيل : لهم وجوهٌ وصدورٌ قال :

٣٥٠٥ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في مَجْمَعٍ مِنْ نواصِي الخيلِ مَشْهودِ

الثاني : أنه على حذفِ مضافٍ أي : فظلَّ أصحابُ الأعناقِ ، ثم حُذِفَ وبقي الخبرُ على ما كان عليه قبل حَذْفِ المُخْبَرِ عنه مراعاةً للمحذوفِ . وقد تقدَّم ذلك قريباً عند قراءةِ  وَقُمْراً مُّنِيراً  [ الفرقان : ٦١ ] . الثالث : أنه لَمَّا أُضيفَتْ إلى العقلاءِ اكتسَبَ منهم هذا الحكمَ ، كما يُكتسب التأنيثُ بالإِضافةِ لمؤنث في

٣٥٠٦ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدمِ

الرابع : أنَّ الأعناقَ جمعُ عُنُق من الناس ، وهم الجماعةُ ، فليس المرادُ الجارحةَ ألبتَّةَ . ومن

٣٥٠٧ أنَّ العراقَ وأهلَه . . . عُنُقٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتا

قلت : وهذا قريبٌ مِنْ معنى الأولِ . إلاَّ أنَّ هذا القائلَ يُطْلِقُ الأعناقَ على جماعةِ الناسِ مطلقاً ، رؤساءَ كانوا  غيرَهم . الخامس : قال الزمخشري : « أصلُ الكلامِ : فظلًُّوا لها خاضعين ، فَأُقْحِمَتِ الأعناقُ لبيانِ موضع الخضوع ، وتُرِكَ الكلامُ على أصله ، كقولهم : ذهبَتْ أهلُ اليمامة ، فكأن الأهلَ غيرُ مذكور » . قلت : وفي التنظير ب ذهبَتْ أهلُ اليمامةِ « نظرٌ؛ لأنَّ » أهل « ليس مقحماً ألبتَّةَ؛ لأنه المقصودُ بالحكم وأمَّا التأنيثُ فلاكتسابِه التأنيثَ . السادس : أنها عُوْمِلَتْ معاملةَ العقلاءِ لَمَّا أُسْند إليهم ما يكونُ فِعْلَ العقلاءِ كقوله  ساجِدِين  و  طائِعِين  في يوسف والسجدة.

و

الثاني : أنه منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ في » أعناقُهم « قاله الكسائي ، وضَعَّفه أبو البقاء قال : » لأنِّ « خاضعين » يكون جارياً على غيرِ فاعلِ « ظَلَّتْ » فيَفْتَقِرُ إلى إبرازِ ضميرِ الفاعل ، فكان يجبُ أَنْ يكونَ « خاضعين هم » . قلت : ولم يَجْرِ « خاضعين » في اللفظِ والمعنى إلاَّ على مَنْ هو له ، وهو الضمير في « أعناقُهم » ، والمسألة التي قالها : هي أَْن يجريَ الوصفُ على غير مَنْ هو له في اللفظِ دونَ  ، فكيف يلزمُ ما ألْزَمه به؟ على أنه لو كان كذلك لم يَلْزَمْ ما قاله؛ لأنَّ الكسائيَّ والكوفيين لا يُوْجِبون إبرازَ الضميرِ في هذه المسألةِ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ ، فهو يَلْتَزِمُ ما ألزمه به ، ولو ضَعَّفه بمجيءِ الحالِ من المضاف إليه لكان أقربَ . على أنه لا يَضْعُفُ لأنَّ المضافَ جزءٌ من المضافِ إليه ك  مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً  [ الحجر : ٤٧ ].

اهـ (الدُّرُّ المصُون).

دليلًا على أن اللّه - عزَّ وجلَّ - واحد وأن المخلوقات آياتٌ تدُلُ عَلَى أن

الخالق واحدٌ ليس كمثله شيء.

و (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مؤمِنِينَ).

معناه وما كان أكثرهم يؤمن ، أي علم اللّه أَن أَكثَرهم لا يؤمنُونَ أَبداً كما

قال : (ولَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أعْبُدُ) أي لستم تعبدون ما أعبُدُ الآن

(ولا أنتم عابدونْ ما أعْبُدُ) فِيمَا يُسْتَقْبل ، وكقوله في قصة نُوح عليه السلام : (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) ، فأعلمه أن أكثر هم لَا يُؤمِنُونَ.

* * *

﴿ ٨