١٤

و (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)

(فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا)

فالاستثناء مُسْتَعْمَل في كلام العَربِ ، وتأويلُه عند النحْويينَ

توكيدُ العَدَدِ وتحصيلُه وكمالُه ، لأنك قد تذكر الجملةَ ويكون الحاصلُ

أَكْثَرَهَا ، فإذا أردت التوْكِيدَ في تمامها قُلْتَ كلها ، وإذا أردت التوكيدَ

في نقصانِها أدْخَلت فيها الاسْتثناء ، تقول : جاءني إخوتك يعني أَن

جَمِيعَهُم جاءك.

وجائز أَنْ تَعْنِيَ أَن أكثرهم جاءَك ، فَإذَا قُلْتَ : جاءني

إخْوَتُكَ كُلُّهُمْ أَكَّدْتَ معنى الجَمَاعةِ ، وأَعْلَمْتَ أنه لم يتَخَلَّفْ مِنْهُمْ

أَحَد.

وتقول أَيْضاً : جاءني إخْوَتُكَ إلا زيداً فتؤكد أن الجَمَاعَةَ تنقُصُ

زيداً.

وكذلك رُءُوس الأعْدَادِ مُشَبَّهَة بالجماعات ، تقول : عندي

عَشَرة ، فتكون ناقِصَةً ، وجائز أن تكون تامَّةً ، فإذا قُلْتَ : عَشَرَة إلا

نِصْفاً  عشرة كَامِلة حَقَّقْتَ ، وكذلك إذَا قُلْتَ : أَلْف إلَّا خَمْسِينَ فهو

كقولك عشرة إلا نِصْفاً لأنك إنَّما اسْتَعْمَلْتَ الاستثناء فيما كان أَمْلَكَ

بالعَشَرَةِ من التِسْعَةِ ، لأن النِصْفَ قَدْ دَخَل في بابِ العَشرةِ ، ولو قُلْتَ

عشرة إلا واحداً  إلا اثنَيْن كان جائزاً وفيه قُبْح ، لأن تِسْعةً وَثَمانيةً

يؤدي عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ ، ولكنه جائز من جهة التوْكِيدِ أَن هَذِه التَسْعَةَ لا

تَزيد ولا تنقُصُ ، لأنَّ قَوْلَكَ عَشَرة إلاً واحداً قد أخبرت أفيه ، بحقيقة

العَدد واسْتثنيت ما يكون نقصاناً من رأس العَددِ.

والاختيار في الاستثناء في الأعداد التي هي عُقُودُ الكسُور

والصحَاحِ جَائِز أن يستثنى.

فأما استثناء نصف الشيء فقبيح

جدَّا ، لا يتكلم به الجَرَبُ ، فإذَا قلتَ عشرةً إلا خمْسةً فليس تَطُور

العَشَرةُ بِالخَمْسَةِ لأنها لَيْسَتْ تَقْرُبُ منها ، وإنما تتكلم بالاستِثْنَاء كما

تتكلم بِالنقْصَانِ ، فتقول : عندي درهم ينقص قِيرَاطاً ، . .

ولو قلت عندي درهم ينقص خمسة دوانيق  تنقُصُ نِصْفَه كان الأولى بذلك : عِنْدِي نصف دِرْهَمٌ . ولم يأت الاستثناء في كلام العَرَبِ إلا قليلٌ من كثير.

فهذه جملة كافيةٌ.

و (فَاَخَذهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).

الطوفَانُ مِن كُل شيءٍ ما كان كثيراً مُطِيفاً بالجماعة كلها كالْغَرَقِ

الذِي يَشْتمِلُ عَلَى المدُنِ الكَبِيرَةِ.

يقال فيه طوفان . وكذلك القتل الذرِيعُ والموت الجارف طوفان.

* * *

﴿ ١٤