٢٧

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّه أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)

__________

(١) قال السَّمين :

  وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير  : استوى من الأفعال التي لا يُكْتَفَى فيها بواحدٍ لو قلت : « استوى زيدٌ » لم يَصِحَّ ، فمِنْ ثَمَّ لَزِمَ العطفُ على الفاعلِ  تعدُّدُه.

و « لا » في  « ولا الظلماتُ » إلى آخره مكررةٌ لتأكيدِ النفيِ . وقال ابنُ عطية : « دخولُ » لا « إنما هو على نيةِ التَّكْرارِ ، كأنه قال : ولا الظلماتُ والنورُ ، ولا النورُ والظلماتُ ، فاسْتُغْني بذِكْرِ الأوائل عن الثواني ، ودَلَّ مذكورُ الكلامِ على مَتْروكِه » . قال الشيخ : « وهذا غير مُحْتاجٍ إليه؛ لأنه إذا نُفِي اسْتواؤُهما أولاً فأيُّ فائدةٍ في نَفْي اسْتوائِهما ثانياً » وهو كلامٌ حَسَنٌ إلاَّ أنَّ الشيخَ هنا قال : « فدخولُ » لا « في النفيِ لتأكيدِ معناه ، ك  وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة  [ فصلت : ٣٤ ] . قلت : وللناسِ في هذه الآيةِ قولان ، أحدهما : ما ذُكِر .

الثاني : أنها غيرُ مؤكِّدة؛ إذ يُراد بالحسنةِ الجنسُ ، وكذلك » السيئة « فكلُّ واحدٍ منهما متفاوتٌ في جنسِه؛ لأنَّ الحسناتِ درجاتٌ متفاوتةٌ ، وكذلك السَّيئاتُ ، وسيأتي لك تحقيقُ هذا إنْ شاء اللّه تعالى . فعلى هذا يمكنُ أَنْ يُقالَ بهذا هنا : وهو أنَّ المرادَ نَفْيُ استواءِ الظلماتِ ونَفْيُ استواءِ جنسِ النورِ ، إلاَّ أنَّ هذا غيرُ مُرادً هنا في الظاهر ، إذ المرادُ مقابَلَةُ هذه الأجناسِ بعضِها ببعضٍ لا مقابلةُ بعضِ أفرادِ كلِّ جنسٍ على حِدَتِه . ويُرَجِّح هذا الظاهرَ التصريحُ بهذا في قوله أولاً :  وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير  حيث لم يُكرِّرْها . وهذا من المواضعِ الحسنةِ المفيدة.

والحَرُوْرُ : شدةُ حَرِّ الشمس . وقال الزمخشري : » الحَرورُ السَّمُوم ، إلاَّ أنَّ السَّمومَ بالنهارِ ، والحَرورَ فيه وفي الليل « . قلت : وهذا مذهبُ الفراءِ وغيرِه . وقيل : السَّمومُ بالنهار ، والحَرورُ بالليل خاصةً ، نقله ابنُ عطية عَن رؤبةَ . وقال : » ليس بصحيحٍ ، بل الصحيحُ ما قاله الفراءُ « . وهذا عجيبٌ منه كيف يَرُدُّ على أصحاب اللسانِ بقولِ مَنْ يأخذُ عنهم؟ وقرأ الكسائي في روايةِ زاذانَ عنه » وَمَا تَسْتَوِي الأحيآء « بالتأنيث على معنى الجماعة.

وهذه الأشياءُ جيْءَ بها على سبيلِ الاستعارةِ والتمثيلِ ، فالأعمى والبصيرُ ، الكافرُ والمؤمنُ ، والظلماتُ والنورُ ، الكفرُ والإِيمان ، والظلُّ والحَرورُ ، الحقُّ والباطلُ ، والأحياء والأمواتُ ، لمَنْ دَخَل في الإِسلامِ لَمَّا ضَرَبَ الأعمى والبصيرَ مَثَلَيْن للكافرِ والمؤمنِ عَقَّبَه بما كلٌّ منها فيه ، فالكافرُ في ظلمةٍ ، والمؤمنُ في نورٍ؛ لأنَّ البصيرَ وإن كان حديدَ النظر لا بُدَّ له مِنْ ضوءٍ يُبْصِرُ به ، وقَدَّم الأعمى لأنَّ البصيرَ فاصلةٌ فَحَسُنَ تأخيره ، ولمَّا تقدَّم الأعمى في الذكر ناسَبَ تقديمَ ما هو فيه ، فلذلك قُدِّمَتِ الظلمةُ على النور ، ولأنَّ النورَ فاصلةٌ ، ثم ذَكَر ما لكلٍّ منهما فللمؤمنِ الظلُّ وللكافرِ الحَرورُ ، وأخّر الحرورَ لأجلِ الفاصلةِ كما تقدَّم.

وقولي « لأجلِ الفاصلةِ » هنا وفي غيرِه من الأماكنِ أحسنُ مِنْ قولِ بَعْضِهم لأجلِ السَّجْع؛ لأنَّ القرآن يُنَزَّه عن ذلِك . وقد منع الجمهورُ/ أَنْ يُقال في القرآن سَجْعٌ ، وإنما كرَّر الفعلَ في   وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء  مبالغةً في ذلك؛ لأنَّ المنافاةَ بين الحياةِ والموتِ أتمُّ من المنافاةِ المتقدمةِ ، وقدَّم الإِحياءَ لشرفِ الحياةِ ولم يُعِدْ « لا » تأكيداً في  « الأَعمى والبصير » وكرَّرها في غيره؛ لأنَّ منافاةَ ما بعدَه أتمُّ ، فإن الشخصَ الواحدَ قد يكونُ بصيراً ثم يصيرُ أَعْمى ، فلا منافاةَ إلاَّ من حيث الوصفُ بخلافِ الظلِّ والحرورِ ، والظلماتِ والنور ، فإنها متنافيةٌ أبداً ، لا يَجْتمع اثنان منها في محلّ ، فالمنافاةُ بين الظلِّ والحرورِ وبين الظلمةِ والنورِ دائمةٌ.

فإنْ قيل : الحياةُ والموتُ بمنزلةِ العمى والبصرِ ، فإنَّ الجسمَ قد يكون مُتَّصفاً بالحياةِ ثم يتصفُ بالموت . فالجواب : أنَّ المنافاةَ بينهما أتمُّ من المنافاةِ بين الأعمى والبصيرِ؛ لأنَّ الأعمى والبصيرَ يشتركان في إدراكات كثيرةٍ ، ولا كذلكَ الحيُّ والميت ، فالمنافاةُ بينهما أتمُّ ، وأفردَ الأعمى والبصيرَ لأنَّه قابلَ الجنسَ بالجنسِ ، إذ قد يُوْجد في أفراد العُمْيان ما يُساوي بعضَ أفرادِ البُصَراءِ كأعمى ذكي له بصيرةٌ يُساوي بصيراً بليداً ، فالتفاوتُ بين الجنسين مقطوعٌ به لا بين الأفراد.

وجَمَعَ الظلماتِ لأنها عبارةٌ عن الكفرِ والضلالِ ، وطرقُهما كثيرةٌ متشعبةٌ ، ووحَّد النورَ لأنه عبارةٌ عن التوحيدِ وهو واحدٌ ، فالتفاوتُ بين كلِّ فردٍ مِنْ أفرادِ الظلمة ، وبين هذا الفردِ الواحد . والمعنى : الظلماتُ كلُّها لا تجدُ فيها ما يساوي هذا الواحدَ كذا قيل . وعندي أنه ينبغي أَنْ يُقال : إن هذا الجمعَ لا يُساوي هذا الواحدَ فيُعْلَمُ انتفاءُ مساواةِ فردٍ منه لهذا الواحدِ بطريقِ الأَوْلى ، وإنما جَمَع الأحياءَ والأمواتَ لأنَّ التفاوتَ بينهما أكثرُ؛ إذ ما من ميتٍ يُساوي في الإِدراك حيَّاً ، فذكَرَ أنَّ الأحياءَ لا يُساوون الأموات سواءً قابَلْتَ الجنسَ بالجنسِ ، أم الفردَ بالفرد. اهـ (الدُّرُّ المصُون).

(وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا).

جُدَدٌ جمع جُدَّة ، وهي الخطَّةُ والطريقَةُ ، قال امرؤ القيس

كأَن سَراتَهُ وجُدَّةَ مَتْنِه . . . كنائِنُ يَجْرِي فَوقَهُنَّ دَلِيصُ (١)

" جُدَّةَ مَتْنِه " الخطَّة السوداء التي تراها في ظَهْرِ حِمارِ الوَحْشِ.

وكل طريقةٍ جادَّة وجُدَّة.

(وَغَرَابِيبُ سُودٌ).

أي ومن الجبال غَرابِيبُ وهي الحِرَارُ ، الجبال التي هيْ ذات

صُخورٍ سُودٍ . والغِرْبِيبُ الشديد السوادِ (٢).

* * *

﴿ ٢٧