٣٢

وقوله عزَّ وجلَّ (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)

__________

(١) قال السَّمين :

  بَرَآءٌ  : العامَّةُ على فتحِ الباءِ وألفٍ وهمزةٍ بعد الراء . وهو مصدرٌ في الأصل وقع موقعَ الصفةِ وهي بَريْء ، وبها قرأ الأعمش ولا يُثَنَّى « براء » ولا يُجْمع ولا يُؤَنث كالمصادر في الغالب . والزعفراني وابن المنادي عن نافع بضم الباء بزنة طُوال وكُرام . يقال : طَويل وطُوال وبَريء وبُراء . وقرأ الأعمش « إنِّي » بنونٍ واحدة.

اهـ (الدُّرُّ المصُون).

(٢) قال السَّمين :

  إِلاَّ الذي فَطَرَنِي  : فيه أربعةُ أوجهٍ ، أحدها : أنه استثناءٌ منقطع؛ لأنَّهم كانوا عبدةَ أصنامٍ فقط . و

الثاني : أنه متصلٌ؛ لأنه رُوِي أنهم كانوا يُشْرِكون مع الباري غيرَه.

الثالث : أَنْ يكونَ مجروراً بدلاً مِنْ « ما » الموصولة في  « ممَّا تعبدُون » قاله الزمخشريُّ . ورَدَّه الشيخ : بأنه لا يجوزُ إلاَّ في نفيٍ  شبهه قال : « وغَرَّه كونُ براء في معنى النفي ، ولا ينفعه ذلك لأنه موجَبٌ » . قلت : قد تأوَّل النحاةُ ذلك في مواضعَ من القرآن كقولِه تعالى :  ويأبى اللّه إِلاَّ أَن يُتِمَّ  [ التوبة : ٣٢ ]  وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين  [ البقرة : ٤٥ ] والاستثناء المفرغُ لا يكونُ في إيجاب ، ولكن لَمَّا كان « يأبى » بمعنى : لا يفعلُ ، وإنها لكبيرة بمعنى : لا تَسْهُلُ ولا تَخِفُّ ساغ ذلك ، فهذا مثلُه.

الرابع : أَنْ تكونَ « إلاَّ » صفةً بمعنى « غير » على أن تكونَ « ما » نكرةً موصوفةً ، قاله الزمخشريُّ قال الشيخ : « وإنما أخرجها في هذا الوجهِ عن كونِها موصولةً؛ لأنَّه يرى أنَّ » إلاَّ « بمعنى » غير « لا يُوْصَفُ بها إلاَّ النكرة » وفيها خلافٌ . فعلى هذا يجوزُ أَنْ تكونَ « ما » موصولةً و « إلاَّ » بمعنى « غير » صفةً لها.

اهـ (الدُّرُّ المصُون).

أي قولهم : لِمَ لَمْ ينَزلْ هذا القرآن على غير محمد عليه السلام

اعتراض منهم ، وليس تفضل اللّه عزَّ وجلَّ يقسمه غيره.

ولما أتى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بالرسالة قالت العرب -  أكثرها - : كيف لم يرسل اللّه مَلَكاً وكيف أرسل اللّه بَشراً ، فقال اللّه عزَّ وجلَّ : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى).

وقال : (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ).

فلما سمعوا أن الرسالة كانت في رجال من أهل القرى قالوا :

" لَوْلَا نُزِل على أحَدِ هذين الرجلين ".

وقال - عزَّ وجلَّ - : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ).

قَكَما فَضلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض في الرزق وفي المنزلة ، كذلك

اصطفينا للرسالة من نشاء.

و (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سِخْرِيًّا).

و (سُخْرِيًّا)

أي ليستعمل بعضهم بَعْضاً ، ويستخدم بعضُهم بعضاً.

وقيل (سِخْرِيًّا) أي ، يتخذ بعضهم بعضاً عبيداً.

ثم أعلم - عزَّ وجلَّ - أن الآخرة أحَظُّ من الدنيا فقال :

(وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

وأعلمَ قِلَّةَ الدنيا عنده عزَّ وجلَّ فقال :

﴿ ٣٢