٣٨

وقوله عزَّ وجلَّ : (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)

وقال أهل اللغة : - معنى يستمعون فيه ، يستمعون عليه ومثله :

(لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)

أي على جذوع النخل.

(فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).

__________

(١) قال السَّمين :

  والذين آمَنُواْ  : فيه ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدها : أنه مبتدأٌ ، والخبرُ الجملةُ من   أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  والذُّرِّيَّةُ هنا تَصْدُق على الآباء وعلى الأبناء أي : إنَّ المؤمنَ إذا كان عملُه أكبرَ أُلْحِقَ به مَنْ دونَه في العمل ، ابناً كان  أباً ، وهو منقولٌ عن ابن عباس وغيرِه . و

الثاني : أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ . قال أبو البقاء : « على تقدير وأكرَمْنا الذين آمنوا » . قلت : فيجوزُ أَنْ يريدَ أنه من باب الاشتغالِ وأنَّ   أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  مُفَسِّر لذلك الفعلِ من حيث  ، وأَنْ يريدَ أنه مضمرٌ لدلالةِ السياقِ عليه ، فلا تكونُ المسألةُ من الاشتغالِ في شيء.

والثالث : أنه مجرورٌ عطفاً على « حورٍ عينٍ » . قال الزمخشري : « والذين آمنوا معطوفٌ على » حورٍ عينٍ « أي : قَرَنَّاهم بالحورِ وبالذين آمنوا أي : بالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ منهم ، ك  إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ  [ الحجر : ٤٧ ] فيتمتَّعون تارةً بملاعبةِ الحُور ، وتارةً بمؤانسةِ الإِخوانِ » . ثم قال الزمخشري : « ثم قال تعالى :  بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  أي : بسببِ إيمانٍ عظيمٍ رفيعِ المحلِّ وهو إيمانُ الآباءِ أَلْحَقْنا بدَرَجَتِهم ذرِّيَّتَهم ، وإنْ كانوا لا يَسْتَأهِلُونها تَفَضُّلاً عليهم ».

قال الشيخ : « ولا يتخيَّلُ أحدٌ أنَّ » والذين آمنوا « معطوفٌ على » بحورٍ عينٍ « غيرُ هذا الرجلِ ، وهو تخيُّلُ أعجميٍّ مُخالفٍ لِفَهْمِ العربيِّ القُحِّ ابنِ عباسٍ وغيرِه » . قلت : أمَّا ما ذكره أبو القاسم من  فلا شكَّ في حُسْنِه ونَضارَتِه ، وليس في كلامِ العربيِّ القُحِّ ما يَدْفَعُه ، بل لو عُرِض على ابنِ عباسٍ وغيرِه لأَعْجبهم . وأيُّ مانعٍ معنوي  صناعي يمنعُه؟.

و  واتبعتهم  يجوزُ أَنْ يكونَ عطفاً على الصلةِ ، ويكونَ « والذين » مبتدأً ، ويتعلقَ « بإيمان » بالاتِّباع بمعنى : أنَّ اللّه تعالى يُلْحق الأولادَ الصغارَ ، وإن لم يَبْلغوا الإِيمانَ ، بأحكام الآباءِ المؤمنين . وهذا  منقولٌ عن ابنِ عباس والضحاك . ويجوزُ أَنْ يكونَ معترضاً بين المبتدأ والخبر ، قاله الزمخشري . ويجوزُ أَنْ يتعلَّق « بإيمان » بألحَقْنا كما تقدَّم . فإنْ قيل :  « اتَّبَعتْهم ذُرِّيَّتَهم » يفيد فائدةَ   أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  . فالجوابُ أنَّ  « أَلْحَقْنا بهم » أي : في الدرجات والاتِّباعُ إنما هو في حُكْمِ الإِيمان ، وإن لم يَبْلُغوه كما تقدَّم . وقرأ أبو عمرو و « وأَتْبَعْناهم » بإسناد الفعل إلى المتكلمٍ المعظِّمِ نفسَه . والباقون « واتَّبَعَتْهم » بإسنادِ الفعلِ إلى الذرِّيَّة وإلحاقِ تاء التأنيث . وقد تَقَدَّم الخلافُ في إفرادِ « ذُرِّيَّتهم » وجمعِه في سورة الأعرافِ محرراً بحمد اللّه تعالى.

  أَلَتْنَاهُمْ  قرأ ابن كثير « أَلِتْناهم » بكسر اللام ، والباقون بفتحِها . فأمَّا الأولى فَمِنْ أَلِتَ يَأْلَتُ بكسرِ العينِ في الماضي وفتحِها في المضارع كعَلِمَ يَعْلَمُ.

وأمَّا الثانيةُ فتحتمل أَنْ تكونَ مِنْ أَلَتَ يَأْلِتُ كضَربَ يَضْرِبُ ، وأَنْ تَكونَ مِنْ أَلات يُليت كأَماتَ يُميت ، فَأَلَتْناهم كأَمَتْناهم . وقرأ ابن هرمز « آلَتْناهم » بألفٍ بعد الهمزة ، على وزنِ أَفْعَلْناهم . يقال : آلَتَ يُؤْلِتُ كآمَنَ يُؤْمِنُ . وعبد اللّه وأُبَيٌّ والأعمش وطلحة ، وتُرْوى عن ابنِ كثير « لِتْناهم » بكسر اللام كبِعْناهم يُقال : لاتَه يَليته ، كباعه يَبيعه . /

وقرأ طلحة والأعمش أيضاً « لَتْناهم » بفتح اللام . قال سهل : « لا يجوز فتحُ اللامِ مِنْ غير ألفٍ بحالٍ » ولذلك أَنْكر « آلَتْناهم » بالمدِّ : وقال : « لا يَدُلُّ عليها لغةٌ ولا تفسيرٌ » . وليس كما زعم؛ بل نَقَلَ أهلُ اللغةِ : آلَتَ يُؤْلِتُ . وقُرِىء « وَلَتْناهم » بالواو ك « وَعَدْناهم » نَقَلها هارون . قال ابن خالويه : « فيكونُ هذا الحرفُ مِنْ لاتَ يَليت ، ووَلَتَ يَلِتَ ، وأَلِتَ يَأْلَت ، وأَلَت ، وأَلات يُليت . وكلُّها بمعنى نَقَص . ويقال : أَلَتَ بمعنى غَلَّظ . وقام رجلٌ إلى عمر يَعِظُه فقال له رجل : لا تَأْلِتْ أميرَ المؤمنين أي : لا تُغْلِظْ عليه » . قلت : ويجوزُ أَنْ يكونَ هذا الأثرُ على حالِه ، والمعنى : لا تُنْقِصْ أميرَ المؤمنين حَقَّه ، لأنه إذا أَغْلَظَ له القولَ نَقَصَه حَقَّه.

  مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ  « مِنْ شيءٍ » مفعولٌ ثانٍ ل « أَلَتْناهم » و « مِنْ » مزيدةٌ فيه . والأُولى في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ « شيء » لأنَّها في الأصلِ صفةٌ له ، فلَمَّا قُدِّمَتْ نُصِبَتْ حالاً . وجَوَّزَ أبو البقاء أَنْ يتعلَّقَ ب « أَلَتْناهم » وليس بظاهرٍ . وفي الضمير في « أَلَتْناهم » وجهان ، أظهرهما : أنَّه عائدٌ على المؤمنين . و

الثاني : أنَّه عائد على أبنائهم . قيل : ويُقَوِّيه   كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ .

اهـ (الدُّرُّ المصُون).

أي بحجة واضحة ، والمعنى - واللّه أعلم - أنهم كجبريل الذي يأتي

النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بالوحي ويبيِّنُ تبيينه عن اللّه ، ما كان وما يكون.

ثم سفر أحلامهم في جعلهم البنات للّه فقال :

* * *

(ام لَهُ البَنَات وَأ@كُم البَنُونَ). -

أي أنتم يجعلواط للّه ما تكرهون وأنتم حكماءْ عند أنفسكم.

* * *

﴿ ٣٨