٥٨و (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أي ما يكون منكم من المَنِيِّ الذي يكون مِنهُ الوَلَدُ ، يقال : أمنى الرجل يمني ، ومَنَى يَمْنِي. فيجوز على هذا " تَمْنُون " بفتح التاء ، ولا أعلم أحداً قرأ بها ، فلا تقرأنَّ بها إلا أن تثبت رواية. __________ (١) قال السَّمين : شُرْبَ الهيم : قرأ نافعٌ وعاصمٌ وحمزةُ بضم الشين ، وباقي السبعة بفتحِها ، ومجاهد وأبو عثمان النهدي بكسرِها فقيل : الثلاثُ لغاتٌ في مصدر شَرِب ، والمقيسُ منها إنما هو المفتوحُ . وقيل : المصدرُ هو المفتوحُ والمضموم والمكسورُ اسمان لِمَا يُشْرَبُ كالرِّعْي والطِّحْن . / وقال الكسائي : يُقالُ شرِبْتُ شُرباً وشَرْباً . ويروى قولُ جعفر : « أيامُ مِنى أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وبِعال » بفتح الشين . والشَّرْب في غيرِ هذا اسمٌ للجماعة الشاربين قال : ٤٢١٥ كأنَّه خارِجٌ من جَنْبِ صَفْحَتِهِ . . . سَفُّوْدُ شَرْبٍ نَسُوْهُ عند مُفْتَأَدِ والمعنى : مثلَ شُرْبِ الهِيم . والهِيْمُ فيه أوجهٌ ، أحدها : أنه جَمْعُ أَهْيمَ هَيْماء ، وهو الجَمَلَُ والناقةُ التي أصابها الهُيامُ وهو داءٌ مُعْطِشٌ تشرب الإِبلُ منه إلى أن تموتَ تَسْقُمُ سُقْماً شديداً ، والأصلُ : هُيْم بضمِّ الهاءِ كأَحْمر وحُمْراء وحُمْر ، فقُلِبت الضمةُ كسرةً لتصِحَّ الياءُ ، وذلك نحو : بِيْض في أبيض . وأُنْشد لذي الرمة : ٤٢١٦ فأصبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ . . . صَداها ولا يَقْضي عليها هُيامُها الثاني : أنه جمع هائِم وهائِمة من الهُيام أيضاً ، إلاَّ أنَّ جَمْعَ فاعِل وفاعِلة على فُعْل قليلٌ نادرٌ نحو : بازِل وبُزْل وعائِذ وعُوْذ ومنه : العُوْذُ المَطافيل . وقيل : هو من الهُيام وهو الذَّهابُ؛ لأنَّ الجملَ إذا أصابه ذلك هامَ على وَجْهه . الثالث : أنه جمع هَيام بفتح الهاء وهو الرَّمْلُ غيرُ المتماسكِ الذي لا يُرْوَى من الماء أصلاً ، فيكونُ مثلَ سَحاب وسُحُب بضمتين ، ثم خُفِّف بإسكان عينه ثم كُسِرَتْ فاؤه لتصِحَّ الياء ، كما فُعِلَ بالذي قبله . الرابع : أنَّه جمعُ « هُيام » بضم الهاء وهو الرَّمْل غيرُ المتماسكِ أيضاً لغةً في « الهَيام » بالفتح ، حكاها ثعلب ، إلاَّ أن المشهورَ الفتحُ ثم جُمع على فُعْل نحو : قُراد وقُرْد ، ثم خُفِّفَ وكُسِرَتْ فاؤُه لتصِحَّ الياء والمعنى : أنَّه يُصيبهم من الجوع ما يُلجِئُهم إلى أَكْلِ الزَّقُّوم ، ومن العطشِ ما يَضْطرُّهم إلى شُرْب الحميم مثلَ شُرْبِ الهِيْم . وقال الزمخشري : « فإن قلتَ : كيف صَحَّ عَطْفُ الشاربين على الشاربين ، وهما لذواتٍ واحدةٍ ، وصفتان متفقتان ، فكان عطفاً للشيء على نفسِه؟ قلت : لَيْستا بمتفقتَيْن من حيث إنَّ كونَهم شاربين على ما هو عليه مِنْ تناهي الحرارة وقَطْع الأمعاء أمرٌ عجيبٌ ، وشُرْبُهم له على ذلك كما تَشْرَب الهِيم أمرٌ عجيب أيضاً ، فكانتا صفتَيْن مختلفتَيْن » انتهى يعنى « فشاربون عليه من الحميم ، فشاربون » وهو سؤالٌ حسنٌ ، وجوابُه مثلُه. وأجاب بعضُهم عنه بجواب آخر : وهو أنَّ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم تفسيرٌ للشُرْب قبلَه ، ألا ترى أنَّ ما قبلَه يَصْلُح أن يكونَ مثلَ شُرْبِ الهيمِ ومثلَ شُرْبِ غيرِها ففَسَّره بأنه مثلُ شُرْبِ هؤلاء البهائم الرِّمالِ. وفي ذلك فائدتان ، إحداهما : التنبيهُ على كثرةِ شُرْبهم منه و الثاني : عَدمُ جَدْوَى الشُّرْب ، وأن المشروبَ لا يَنْجَعُ فيهم كما لا يَنْجَعُ في الهِيْم على التفسيرَين. وقال الشيخ : « والفاءُ تقتضي التعقيبَ في الشُّرْبَيْنِ ، وأنهم أولاً لمَّا عَطِشوا شَرِبوا من الحميم ، ظَنّاً منهم أنه يُسَكِّنُ عَطَشَهُم ، فازداد العطشُ بحرارةِ الحميمِ ، فشربوا بعده شُرْباً لا يقع بعدَه رِيٌّ أبداً . وهو مِثْلُ شُرْبِ الهيم فهما شُربان مِنَ الحَميم لا شُرْبٌ واحدٌ ، اختلفَتْ صفتاه فَعَطف . والمشروبُ مِنْه في فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم محذوفٌ لفَهْمِ تقديرُه : فشاربون منه » انتهى . والظاهرُ أنه شُرْبٌ واحدٌ بل الذي نعتقدُ هذا فقط ، وكيف يُناسِبُ أَنْ تكونَ زيادتُهم العطشَ بشُرْبِه مقتضيةً لشُرْبِهم منه ثانياً؟ اهـ (الدُّرُّ المصُون). |
﴿ ٥٨ ﴾