١٧

(وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)

أي يجمع طعم الزنجبيل ، والعرب تصف الزنجبيل ، وهو مستطاب

عندها جدًّا

قال الشاعر :

كأَنَّ القَرنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ . . . باتا بِفيها وأَرْياً مَشُورا

فجائز أن يكون طعم الزنجبيل فيها ، وجائز أن يكون مزاجها وَلَا غائِلَةَ لَهُ

كما قلنا في الكافور.

__________

(١) قال السَّمين :

  قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ  : اختلف القُراء في هذَين الحرفَيْن بالنسبة إلى التنوين وعَدَمِهِ ، وفي الوقوفِ بالألفِ وعَدَمِها كما تقدَّم خلافُهم في  سَلاَسِلَ  . واعلَمْ أنَّ القُرَّاء فيهما على خمسِ مراتبَ ، إحداها : تنوينُهما معاً ، والوقفُ عليهما : بالألفِ ، لنافعٍ والكسائيِّ وأبي بكر . الثانيةُ : مقابِلَةُ هذه ، وهي عَدَمُ تنوينِهما وعَدَمُ الوقفِ عليهما بالألفِ ، لحمزةَ وحدَه . الثالثة : عَدَمُ تنوينِهما ، والوقفُ عليهما بالألف ، لهشامٍ وحدَه . الرابعة : تنوينُ الأولِ دونَ الثاني ، والوقفُ على الأولِ بالألفِ ، وعلى الثاني بدونِها ، لابنِ كثيرٍ وحدَه . الخامسةُ : عَدَم تنوينِهما معاً ، والوقفُ على الأولِ بالألفِ ، وعلى الثاني بدونِها : لأبي عمروٍ وابن ذكوانَ وحفصٍ.

فأمَّا مَنْ نَوَّنَهما فلِما مَرَّ في تنوينِ سلاسل؛ لأنَّهما صيغَةُ منتهى الجمع ، ذاك على مَفاعلِ ، وذا على مَفاعيل . والوقفُ بالألفِ التي هي بدلٌ من التنوين ، وفيه موافقةُ المصاحفِ المذكورةِ فإنَّهما مَرْسومان فيها بالألفِ على ما نَقَلَ أبو عبيد . وأمَّا عَدَمُ تنوينِهما وعَدَمُ الوقفِ بالألف فظاهرٌ جداً . وأمَّا مَنْ نَوَّنَ الأولَ دونَ الثاني ، فإنَّه/ ناسَبَ بين الأولِ وبين رؤوسِ الآيِ . ولم يناسِبْ بينَ الثاني وبين الأولِ . والوجهُ في وَقْفِه على الأولِ بالألفِ وعلى الثاني بغيرِ ألفٍ ظاهرٌ . وقد رَوَى أبو عُبيد أنه كذلك في مصاحِف أهلِ البصرة.

وأمَّا مَنْ لم يُنَوِّنْهما ، ووقف على الأولِ بالألفِ ، وعلى الثاني بدونِها؛ فلأنَّ الأولَ رأسُ آيةٍ فناسَبَ بينه وبين رؤوس الآيِ في الوقفِ بالألفِ . وفَرَّق بينه وبين الثاني؛ لأنه ليسَ برأس آيةٍ . وأمَّا مَنْ لم يُنَوِّنْهما ووقف عليهما بالألفِ فلأنَّه ناسَبَ بين الأول وبين رؤوس الآيِ وناسَبَ بين الثاني وبين الأولِ . وحَصَل مِمَّا تقدَّم في « سلاسل » وفي هذَيْن الحرفَيْنِ أنَّ القُرَّاءَ منهم مَنْ وافَقَ مصحَفَه ، ومنهم مَنْ خالفَه لاتِّباع الأثَرِ . وتقدَّم الكلامُ على « قوارير » في سورةِ النمل وللّه الحمدُ.

وقال الزمخشري : « وهذا التنوين بدلٌ مِنْ حرفِ الإِطلاقِ لأنَّه فاصلةٌ ، وفي الثاني لإِتباعِه الأولَ » يعني أنَّهم يَأْتُون بالتنوينِ بدلاً مِنْ حرفِ الإِطلاق الذي للترنم ، ك

٤٤٤٨ يا صاحِ ما هاجَ الدُّموعَ الذُّرَّفَنْ . . . وفي انتصابِ « قوارير » وجهان ، أحدُهما وهو الظاهرُ أنَّه خبرُ كان . و

الثاني : أنها حالٌ ، و « كان » تامةٌ أي : كُوِّنَتْ فكانَتْ . قال أبو البقاء : « وحَسُن التكريرُ لِما اتَّصل به مِنْ بيانِ أصلِها ، ولولا التكريرُ لم يَحْسُنْ أَنْ يكونَ الأولُ رأسَ آيةٍ لشدَّةِ اتصالِ الصفةِ بالموصوفِ . وقرأ الأعمش » قواريرُ « بالرفع على إضمارِ مبتدأ أي : هي قوارير . و » مِنْ فضة « صفةٌ ل » قوارير «.

  قَدَّرُوهَا  صفةٌ ل » قواريرَ « . والواو في » قَدَّروها « فيه وجهان ، أحدهما : أنَّه للمُطافِ عليهم . ومعنى تقديرهم إياها : أنهم قَدَّروها في أنفسِهم أَنْ تكونَ على مقاديرَ وأشكالٍ على حَسَبِ شَهَواتِهم ، فجاءَتْ كما قَدَّروا.

و

الثاني : أنَّ الواو للطائفين للدلالةِ عليهم ، مِنْ قولِه تعالى : « ويُطافُ » والمعنى : أنهم قَدَّروا شرابَها على قَدْر رِيِّ الشَّارِب ، وهو ألذُّ الشرابِ لكونِه على مِقْدارِ حاجتِه لا يَفْضُل عنها ولا يَعْجِزُ ، قاله الزمخشري . وجَوَّزَ أبو البقاء أَنْ تكونَ الجملةُ مستأنفةً.

وقرأ عليٌّ وابنُ عباس والسُّلميُّ والشعبيُّ وزيدُ بن علي وأبو عمروٍ في روايةِ الأصمعيِّ « قُدِّرُوْها » مبنياً للمفعول . وجَعَله الفارسِيُّ مِنْ بابِ المَقْلوبِ قال : « كأنَّ اللفظ : قُدِّروا عليها . وفي  قَلْبٌ؛ لأنَّ حقيقةَ  أن يقال : قُدِّرَتْ عليهم ، فهي مثلُ   لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة  [ القصص : ٧٦ ] ومثلُ قولِ العرب : » إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ أُلْقِيَ العُوْدُ على الحِرْباء « . وقال الزمخشري : » ووجهُه أَنْ يكونَ مِنْ قُدِّر منقولاً مِنْ قَدَرَ . تقول : قَدَرْتُ [ الشيءَ ] وقَدَرَنيه فلان ، إذا جعلك قادراً له ومعناه : جُعلوا قادرين لها كما شاؤوا ، وأُطْلِق لهم أَنْ يُقَدِّروا على حَسَبِ ما اشْتَهَوْا « . وقال أبو حاتم : » قُدِّرَتْ الأواني على قَدْرِ رِيِّهم « ففَسَّر بعضُهم قولَ أبي حاتمٍ هذا قال : » فيه حَذْفٌ على حَذْفٍ : وهو أنه كان : « قُدِّرَ على قَدْرِ ريِّهم إياها » ثم حُذِفَ « على » فصار : « قَدْرُ رِيِّهم » على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه ، ثم حُذِف « قَدْرُ » فصار « رِيُّهم » ما لم يُسَمَّ فاعلُه ، فحُذِفَ الرِّيُّ فصارَتِ الواوُ مكانَ الهاءِ والميمِ ، لَمَّا حُذِفَ المضافُ مِمَّا قبلَها ، وصارَتِ الواوُ مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه ، واتصلَ ضميرُ المفعولِ الثاني في تقديرِ النصبِ بالفعلِ بعدَ الواوِ التي تَحَوَّلَتْ من الهاءِ والميم ، حتى أُقيمَتْ مُقامَ الفاعل « . قلت : وفي هذا التخريجِ من التكلُّف ما لا يَخْفَى مع عَجْرَفَةِ ألفاظِه.

وقال الشيخ : » والأقربُ في تخريج هذه القراءةِ الشاذَّة : « قُدِّرَ رِيُّهم منها تقديراً » فحُذِف المضافُ وهو الرِّيُّ ، وأُقيم الضميرُ مُقامَه ، فصار التقديرُ : قُدِّروا مِنْها ، ثم اتُّسِع في الفعل فحُذِفَتْ « مِنْ » ووصَلَ الفعلُ إلى الضميرِ بنفسِه فصار : « قُدِّرُوْها » فلم يكن فيه إلاَّ حَذْفُ مضافٍ واتِّساعٌ في الفعل « . قلت : وهذا مُنْتَزَعٌ من تفسيرِ كلامِ أبي حاتم . اهـ (الدُّرُّ المصُون).

﴿ ١٧