٢١

و (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)

(عَالِيْهُمْ)

بإسكان الياء ، وَقرِئَتَ (عَالِيَهُمْ) - بفتح الياء - وقرئت عَلَيْهم - بغير ألف (ثِيَابُ سُنْدُسٍ) . وهذه الثلاثة توافق المصحف وكلها حسن في العربية ، وقرئ على وجهين غير هذه الثلاثة.

قرئت (عَالِيَتُهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ) - بالرفع والتأنيث -

وَ (عَالِيَتَهُمْ) بالنَّصْبِ - وهذا الوجهان جَيِّدان في العربية إلا أَنَهمَا يخالفان

__________

(١) قال السَّمين :

  سَلْسَبِيلاً  : السَّلْسَبيل : ما سَهُل انحدارُه في الحَلْف . قال الزجاج : « هو في اللغة صفةٌ لِما كان في غايةِ السَّلاسَة » . وقال الزمخشري : « يقال : شَرابٌ سَلْسَلٌ وسَلْسالٌ وسَلْسبيل ، وقد زِيْدت الباءُ في التركيبِ حتى صارَتِ الكلمةُ خماسيَّةً ، ودَلَّتْ على غايةِ السَّلاسَةِ » . قال الشيخ : « فإنْ كان عَنى أنَّه زِيْدت حقيقةً فليس بجيدٍ؛ لأنَّ الباءَ ليسَتْ من حروف الزيادةِ المعهودةِ في علمِ النحوِ ، وإنْ عَنَى أنها حرفٌ جاء في سِنْخِ الكلمةِ ، وليس في سَلْسَل ولا سَلْسال فَيَصِحُّ ، ويكون مما اتَّفَقَ معناه ، وكان مختلفاً في المادة » . وقال ابن الأعرابي : « لم أسمَعْ السَّلْسبيلَ إلاَّ في القرآنِ » . وقال مكي : « هو اسمٌ أعجميُّ نكرةٌ ، فلذلك صُرِفَ ».

ووزن سَلْسَبيل : فَعْلَلِيْل مثلَ « دَرْدَبيس » . وقيل : فَعْفَليل؛ لأنَّ الفاءَ مكررةٌ . وقرأ طلحةُ « سَلْسَبيلَ » دونَ تنوينٍ ومُنِعَتْ من الصرف للعلميَّةِ والتأنيث؛ لأنها اسمٌ لعَيْنٍ بعينها ، وعلى هذا فكيف صُرِفَتْ في قراءةِ العامَّةِ؟ فيُجاب : بأنُّه سُمِّيَتْ بذلك لا على جهة العَلَمِيَّة بل على جهة الإطلاقِ المجرَّدِ ،  يكونُ مِنْ بابِ تنوين  سَلاَسِلَ  [ الإِنسان : ٤ ]  قَوَارِيرَاْ  [ الإِنسان : ١٥ ] وقد تقدَّمَ . وأغربُ ما قيل في هذا الحرف أنه مركبٌ من كلمَتَيْن : مِنْ فعلِ أمرٍ وفاعلٍ مستترٍ ومفعولٍ . والتقدير : سَلْ أنت سَبيلا إليها . قال الزمخشري : « وقد عَزَوْا إلى عليٍّ رضي اللّه عنه أنَّ معناه : سَلْ سبيلاً إليها » . قال : « وهذا غيرُ مستقيمٍ على ظاهِره ، إلاَّ أنْ يُرادَ أنَّ جملةَ قولِ القائلِ » سَلْ سبيلاً « جَعِلَتْ عَلَماً للعين ، كما قيل : تأبَّط شَرَّاً وذَرَّى حبَّا . وسُمِّيت بذلك لأنه لا يَشْرَبُ منها إلاَّ مَنْ سأل سبيلاً إليها بالعمل الصالِح ، وهو مع استقامتِه في العربية تكلُّفٌ وابتداعٌ وعَزْوُه إلى مثلِ عليّ عليه السلام أَبْدَعُ . وفي شعرِ بعضِ المُحْدَثين :

٤٤٥١ سَلْ سبيلاً فيها إلى راحةِ النَّفْ . . . سِ براحٍ كأنَّها سَلْسَبيلُ

قال الشيخ بعد تعجُّبِه مِنْ هذا القول : » وأَعْجَبُ مِنْ ذلك توجيهُ الزمخشريِّ له واشتغالُه بحكايتِه « . قلت : ولو تأمَّل ما قاله الزمخشريُّ لم يَلُمْه ، ولم يتعجَّبْ منه؛ لأنَّ الزمخشري هو الذي شَنَّعَ على هذا القولِ غاية التشنيع . وقال أبو البقاء : » والسلسبيلُ كلمةٌ واحدةٌ « . وفي  » كلمة واحدة « تلويحٌ وإيماءٌ إلى هذا الوجهِ المذكور.

اهـ (الدُّرُّ المصُون).

المصحف ، ولا أرى القراءة بهما ، وقرَّاء الأمصار ليس يَقْرَأُونَ بِهِمَا (١).

فأما تفسير إسكان (عَالِيهِمْ) بإسكان الياء ، فيكون رفعه بالابتداء ، ويكون خبره (ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ).

ومن نَصَبَ فقال : (عَالِيَهُمْ) بفتح الياء ، فقال بعض النحويين إنه

ينصبه على الظرْفِ ، كما تقول فوقَهُم ثياب ، وهذا لا نعرفه في الظروف ، ولو كان ظرفاً لم يَجُزْ إسكان الياء.

ولكن نصبه على الحال من شيئين :

أحدهما من الهاء والميم ،  يطوف على الأبرار وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ عَالِياً الأبْرَارَ ثيابُ سندسٍ لأنه وقدْ وصف أحوالهم في الجنَّةِ ، فيكون  يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء.

ويجوز أن يكون حالا من الولدان.

 إذا رَأَيْتَهُمْ حسبتهم لُؤلُؤاً منثوراً في حال علو الثياب إياهم.

فالنصب على هذا بين.

فأما " عَلَيْهم ثيابُ سُنْدُسٍ " فرفع كقولك عليك مَالٌ فترفعُهُ بالابتداء ، ويكون  وثياب سندس عليهم.

وتفسير نصب عاليتهم ورفعها كتفسير عاليهم.

والسندس الحرير . وقد قرئت خُضرٌ وخُضْرٍ.

فمن قرأ (خضرٌ) فهو أحسن لأنه يكون نعتاً للثياب ، فلفظ الثياب لفظ الجميع ، وخُضْرٌ لفظها لفظ الجمع.

ومن قرأ خُضْرٍ فهو من نعت السندس ، والسُّندُسُ في  راجع إلى

الثياب.

وقرئت (وَإِسْتَبْرَقٌ) وهو الدِّيبَاج الصَّفِيق الغليظ الخشن.

وقرئت بالرفع والجر.

فمن رفع فهو عطف على ثياب

 عليهم إستبرق.

ومن جر عطف على السندس.

ويكون  : عليهم ثياب من هذين النوعين ثياب سندس وإستبرق . وقرئت (وَإِسْتَبْرَقَ) على وجهين غير هذين الوجهين ، كلاهما ضَعِيف

في العربية جدًّا ، قرئت (وَإِسْتَبْرَقَ) وَحُلُّوا - بنصب (إِسْتَبْرَقَ) - وهو في موضع الجر ولم يصرف ، قرأها ابن مُحْيصِن ، وزعموا أنه لم يصرفه لأن (وَإِسْتَبْرَق) اسم أعجمى ، وأصله بالفارسية استبره ، فلما حول إلى العربية لم يصرف وهذا غلط لأنه نكرة ألا ترى أن الألف واللام يدخلانه ، تقول : السندس والإستبرق.

والوجه الثاني ، واستبرَق وَحُلُّوا - بطرح الألف - جعل الألف ألف

__________

(١) قال السَّمين :

  عَالِيَهُمْ  : قرأ نافعٌ وحمزةٌ بسكونِ الياءِ وكسرِ الهاء ، والباقون بفتح الياءِ وضَمِّ الهاء . لَمَّا سَكَنَتِ الياءُ كُسِرَتْ الهاءُ ، ولَمَّا تَحَرَّكَتْ ضُمَّت على ما تَقَرَّرَ في هاءِ الكنايةِ أولَ هذا الموضوعِ . فإمَّا قراءةُ نافعٍ وحمزةَ ففيها أوجهٌ ، أظهرُها : أَنْ تكونَ خبراً مقدَّماً . و « ثيابُ » مبتدأٌ مؤخرٌ ، و

الثاني : أنَّ « عالِيْهم » مبتدأ و « ثيابُ » مرفوعٌ على جهةِ الفاعلية ، وإنْ لم يعتمد الوصفُ ، وهذا قولُ الأخفشِ.

والثالث : أنَّ « عالِيْهم » منصوبٌ ، وإنما سُكِّن تخفيفاً ، قاله أبو البقاء . وإذا كان منصوباً فسيأتي فيه أوجهٌ ، وهي وارِدَة هنا؛ إلاَّ أنَّ تقديرَ الفتحةِ من المنقوصِ لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ  شذوذٍ ، وهذه القراءةُ متواترةٌ فلا ينبغي أَنْ يُقالَ به فيها.

وأمَّا قراءةُ مَنْ نَصَبَ ففيه أوجهٌ ، أحدُها : أنَّه ظرفٌ خبراً مقدماً ، و « ثيابُ » مبتدأٌ مؤخرٌ كأنه قيل : فوقَهم ثيابُ . قال أبو البقاء : « لأنَّ عالِيَهم بمعنى فَوْقَهم . وقال ابن عطية : » ويجوز في النصبِ أَنْ تكونَ على الظرف لأنَّه بمعنى فوقهم « . قال الشيخ : » وعالٍ وعالية اسمُ فاعلٍ ، فيحتاج في [ إثبات ] كونِهما ظرفَيْن إلى أَنْ يكونَ منقولاً مِنْ كلامِ العرب : عالِيَك  عاليتُك ثوبُ « . قلت : قد وَرَدَتْ ألفاظٌ مِنْ صيغةِ أسماءِ الفاعِلِيْن ظروفاً نحو : خارجَ الدار وداخلَها وباطنَها وظاهرَها . تقول : جلَسْتُ خارج الدارِ ، وكذلك البواقي فكذلك هذا.

الثاني : أنَّه حالٌ من الضمير في  عَلَيْهِمْ  [ الإِنسان : ١٩ ] . الثالث : أنه حالٌ مِنْ مفعولِ  حَسِبْتَهُمْ  [ الإِنسان : ١٩ ] . الرابع : أنه حالٌ مِنْ مضافٍ مقدرٍ ، أي : رَأَيْتَ أهلَ نعيم ومُلكٍ كبير عالَيهم . ف » عاليَهم « حالٌ مِنْ » أهل « المقدرِ . ذكرَ هذه الأجهَ الثلاثةَ الزمخشريُّ فإنه قال : » وعاليَهم بالنصبِ على أنَّه حالٌ من الضميرِ في « يَطوف عليهم »  في « حَسِبْتَهم » ، أي : يطوفُ عليهم وِلْدانٌ عالياً للمَطوفِ عليهم ثيابٌ ،  حَسِبْتَهم لؤلؤاً عاليَهم ثيابٌ . ويجوزُ أَنْ يراد : [ رأيت ] أهلَ نعيم « . قال الشيخ : » أمَّأ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في « حَسِبْتَهم » فإنه لا يعني إلاَّ ضمير المفعول ، وهو لا يعودُ إلاَّ على « وِلدانٌ » ولذلك قدَّر « عاليَهم » ب « عالياً لهم » ، أي : للوِلْدان . وهذا لا يَصْلُحُ؛ لأنَّ الضمائر الآتية بعد ذلك تَدُلُّ على أنها للمَطوفِ عليهم مِنْ  « وحُلُّوا » و « سَقاهم » و  إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً  وفَكُّ الضمائر وَجَعْلُ هذا لذا ، وهذا لذا ، مع عدمِ الاحتياجِ والاضطرارِ إلى ذلك ، لا يجوزُ . وأمَّا جَعْلُه حالاً مِنْ محذوفٍ وتقديرُه : أهلَ نعيم فلا حاجةَ إلى ادِّعاء الحَذْفِ مع صحةِ الكلامِ وبراعتِه دونَ تقديرِ ذلك المحذوفِ «.

قلت : جَعْلُ أحَدِ الضمائر لشيءٍ والآخرِ لشيءٍ آخرَ لا يمنعُ صحةَ ذلك مع ما يميِّزُ عَوْدَ كلِّ واحدٍ إلى ما يليقُ به ، وكذلك تقديرُ المحذوفِ غيرُ ممنوعٍ أيضاً ، وإنْ كان الأحسنُ أَنْ تتفقَ الضمائرُ ، وأن لا يُقَدَّرَ محذوفٌ ، والزمخشريُّ إنما ذَكَرَ ذلك على سبيل التجويزِ ، لا على أنَّه أَوْلى  مساوٍ ، فَيُرَدُّ عليه بما ذكره.

الخامس : أنه حالٌ مِنْ مفعول « لَقَّاهم » . السادس : أنه حال مِنْ مفعول « جَزاهُمْ » ذكرهما مكي . وعلى هذه الأوجهِ التي انتصبَ فيها على الحالِ يرتفعُ به « ثيابُ » على الفاعلية ، ولا تَضُرُّ إضافتُه إلى معرفةٍ في وقوعِه حالاً؛ لأنَّ الإِضافةَ لفظيةٌ ، كقولِه تعالىعَارِضٌ مُّمْطِرُنَا  [ الأحقاف : ٢٤ ] [ و ]

٤٤٥٢ يا رُبَّ غابِطِنا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ولم يؤنَّثْ « عالياً » لأنَّ مرفوعَه غير حقيقيِّ التأنيثِ . السابع : أَنْ ينتصِبَ « عاليَهم » على الظرفيةِ ، ويرتفع « ثيابُ » به على جهة الفاعلية . وهذا ماشٍ على قولِ الأخفش والكوفيين حيث يُعملون الظرفَ وعديلَه وإنْ لم يَعْتمد ، كما تقدَّم ذلك في الوصفِ . وإذا رُفعَ « عاليَهم » بالابتداء و « ثيابُ » على أنه فاعلٌ به كان مفرداً على بابِه لوقوعِه موقعَ الفعلِ ، وإذا جُعل خبراً مقدَّماً كان مفرداً مُراداً به الجمعُ ، فيكونُ كقولِه تعالى فَقُطِعَ دَابِرُ القوم  [ الأنعام : ٤٥ ] ، أي : أدبار ، قاله مكي.

وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي « عاليتُهم » مؤنثاً بالتاء مرفوعاً . والأعمش وأبان عن عاصم كذلك ، إلاَّ أنه منصوبٌ ، وقد عَرَفْتَ الرفعَ والنصبَ ممَّا تقدَّم ، فلا حاجةَ لإِعادتهما . وقرأَتْ عائشة رضي اللّه عنها « عَلِيَتْهم » فعلاً ماضياً متصلاً بتاء التأنيث الساكنة ، و « ثيابُ » فاعلٌ به ، وهي مقوِّيَةٌ للأوجه المذكورة في رفع « ثياب » بالصفةِ في قراءة الباقين كما تقدَّم تفصيلُه.

وقرأ ابنُ سيرين ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة وخلائق « عليهم » ، جارَّاً ومجروراً ، وإعرابُه كإعرابِ « عاليَهم » ظرفاً في جوازِ كونِه خبراً مقدَّماً ،  حالاً ممَّا تقدَّم ، وارتفاعُ « ثيابُ » به على التفصيلِ المذكورِ آنفاً.

وقرأ العامَّةُ/ « ثيابُ سُنْدُسٍ » بإضافةِ الثيابِ لِما بعدها . وأبو حيوةَ وابنُ أبي عبلةَ « ثيابٌ » منونةً « سُندُسٌ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ » برفعِ الجميعِ ، ف « سندسٌ » نعتٌ ل « ثيابٌ » لأنَّ السُّنْدسَ نوعٌ ، و « خُضْرٌ » نعتٌ ل « سندس »؛ إذ السندسُ يكونُ أخضرَ وغيرَ أخضرَ ، كما أنَّ الثيابَ يكونُ سُنْدُساً وغيرَه . و « إستبرقٌ » نَسَقٌ على ما قبلَه ، أي : وثياب استبرق.

واعلَمْ أنَّ القرَّاءَ السبعةَ في « خُضْر وإستبرق » على أربع مراتبَ ، الأولى : رَفْعُهما ، لنافعٍ وحفصٍ فقط . الثانية : خَفْضُهما ، للأخوَيْن فقط.

الثالثة : رَفْعُ الأولِ وخفضُ الثاني لأبي عمروٍ وابنِ عامرٍ فقط . الرابعةُ عكسُ الثالثةِ ، لابنِ كثيرٍ وأبي بكرٍ فقط . فأمَّا القراءةُ الأولى : فإنَّ رَفْعَ « خُضْرٌ » على النعتِ ل ثياب ، ورَفْعَ « إستبرقٌ » نَسَقاً على الثياب ، ولكن على حَذْفِ مضافٍ ، أي : وثيابُ إستبرقٍ . ومثلُه : « على زيدٍ ثوبُ خَزٍّ وكتَّانٌ » أي : وثوبُ كُتَّانٍ . وأمَّا القراءةُ الثانية فيكونُ جَرُّ « خُضْرٍ » على النعتِ لسُنْدسٍ . ثم اسْتُشْكِل على هذا وَصْفُ المفردِ بالجمعِ فقال مكي : « هو اسمٌ للجمع . وقيل : هو جمعُ سُنْدُسَة » كتَمْر وتَمْرة ، واسمُ الجنسِ وَصْفُه بالجمع سائغٌ فصيحٌ . قال تعالى :  وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال  [ الرعد : ١٢ ] . وإذا كانوا قد وَصَفوا المفردَ المُحَلَّى لكونِه مُراداً به الجنسُ بالجمعِ في قولِهم : « أَهْلَكَ الناسَ الدِّينارُ الحُمْرُ والدِّرْهَمُ البيضُ » ، وفي التنزيل :   الطفل الذين  [ النور : ٣١ ] فَلأَنْ يُوْجَدَ ذلك في أسماءِ الجموعِ  أسماءِ الأجناسِ الفارقِ بينها وبين واحدِها تاءُ التأنيثِ بطريقِ الأَوْلى . وجَرُّ « إستبرق » نَسَقاً على « سندسٍ » لأنَّ  : ثيابٌ مِنْ سُندسٍ وثيابٌ مِنْ إستبرق.

وأمَّا القراءةُ الثالثةُ فرَفْعُ « خُضْرٌ » نعتاً ل « ثيابٌ » وجَرُّ « إستبرقٍ » نَسَقاً على « سُنْدُسٍ » ، أي : ثيابٌ خضرٌ مِنْ سُندسٍ ومِنْ إستبرقٍ ، فعلى هذا يكون الإِستبرقُ أيضاً أخضرَ.

وأمَّا القراءةُ الرابعة فجَرُّ « خُضْرٍ » على أنه نعتٌ لسُنْدس ، ورَفْعُ « إستبرقٌ » على النَّسَقِ على « ثياب » بحَذْفِ مضافٍ ، أي : وثيابُ إستبرق . وتقدَّم الكلامُ على مادةِ السُّنْدُس والإِستبرق وما قيل فيهما في سورة الكهف.

وقرأ ابنُ مُحيصنٍ « وإستبرقَ » بفتحِ القافِ . ثم اضطرب النَّقْلُ عنه في الهمزة : فبعضُهم يَنْقُل عنه أنه قَطَعها ، وبعضهم ينقُلُ عنه أنه وَصَلَها.

فقال الزمخشري : « وقُرِىءَ » وإسْتبرقَ « نصباً في موضعِ الجرِّ على مَنْعِ الصرفِ؛ لأنَّه أعجميٌّ وهو غَلَطٌ؛ لأنَّه نكرةٌ يَدْخُلُهُ حرفُ التعريف . تقول : » الإِستبرق « إلاَّ أَنْ يَزْعُمَ ابن مُحيصن أنه يُجْعَلُ عَلَماً لهذا الضَّرْبِ من الثيابِ . وقُرِىءَ » واستبرقَ « بوصْل الهمزةِ والفتح ، على أنَّه مُسَمَّى باسْتَفْعل من البَريق ، ليس بصحيحٍ أيضاً؛ لأنَّه مُعَرَّب مشهورٌ تعريبُه ، وأنَّ أصلَه اسْتَبْرَه . وقال الشيخ : » ودلَّ قولُه « إلاَّ أَنْ يزعمَ ابنُ محيصن » وقولُه بعدُ : « وقُرىء » واسْتبرق « بوَصْلِ الألفِ والفتح أنَّ قراءةَ ابنِ محيصن هي بقَطْعِ الهمزةِ مع فتحِ القافِ . والمنقولُ عنه في كتبِ القراءاتِ أنَّه قرأ بوَصْل الألفِ وفتح القافِ » . قلت : قد سَبَقَ الزمخشريُّ إلى هذا مكيٌّ فقال : « وقد قرأ ابنُ محيصن بغيرِ صَرْفٍ ، وهو وهمٌ إنْ جعلَه اسماً لأنه نكرةٌ منصرفةٌ . وقيل : بل جَعَله فعلاً ماضياً مِنْ بَرِقَ فهو جائزٌ في اللفظِ ، بعيدٌ في .

وقيل : إنَّه في الأصلِ فعلٌ ماضٍ على اسْتَفْعل مِنْ بَرِقَ ، فهو عربيٌّ من البريق ، لمَّا سُمِّي به قُطِعَتْ ألفُه؛ لأنه ليس مِنْ أصلِ الأسماءِ أَنْ يدخلَها ألفُ الوصلِ ، وإنما دَخَلَتْ في أسماءٍ معتلةٍ مُغَيَّرَةٍ عن أصلِها معدودةٍ لا يُقاسُ عليها « انتهى . فدلَّ  » قُطِعَتْ ألفُه « / إلى آخرِه أنه قرأ بقطعِ الهمزةِ وفتحِ القافِ . ودلَّ قولُه أولاً : » وقيل : بل جعله فعلاً ماضياً مِنْ بَرِقَ « أنه قرأ بوَصْلِ الألفِ؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْكَمَ عليه بالفعليةِ غيرَ منقولٍ إلى الأسماءِ ، وبتَرْكِ ألفِه ألفَ قطع ألبتَّةََ ، فهذا جَهْلٌ باللغةِ ، فيكونُ قد رُوِي عنه قراءتان : قَطْعُ الألفِ ووَصْلُها . فظهر أنَّ الزمخشريَّ لم ينفَرِدْ بالنقل عن ابنِ محصين بقَطْع الهمزة.

وقال أبو حاتم في قراءة ابن محيصن : » لا يجوز . والصوابُ أنه اسمُ جنسٍ لا ينبغي أَنْ يَحْمِلَ ضميراً ، ويؤيِّد ذلك دخولُ المعرفةِ عليه . والثوابُ قَطْعُ الألفِ وإجراؤُه على قراءةِ الجماعةِ « . قال الشيخ : » ونقولُ : إنَّ ابن محيصن قارىءٌ جليلٌ مشهورٌ بمعرفةِ العربيةِ ، وقد أَخَذَ عن أكابرِ العلماءِ فيُتَطَلَّبُ لقراءته وَجْهٌ ، وذلك أنه يَجْعَلُ استفعل من البريق تقول : بَرِقَ واسْتَبْرَق كعَجِبَ واستعجب ، ولمَّا كان  « خُضْر » يدل على الخُضْرة ، وهي لَوْنُ ذلك السُّنْدُسِ ، وكانت الخُضْرَةُ مِمَّا يكونُ فيها لشدتها دُهْمة وغَبَش أخبرَ أنَّ في ذلك بَريقاً وحُسْناً يُزيل غُبْشَتَه فاستبرق فعلٌ ماضٍ ، والضميرُ فيه عائدٌ على السندسِ ،  على الأخضرِ الدالِّ عليه « خُضْر » . وهذا التخريجُ أَوْلَى مِنْ تَلْحين مَنْ يعرِفُ العربية وتوهيمِ ضابطٍ ثقةٍ « . قلت : هذا هو الذي ذكره مكيٌّ كما حَكَيْتُه عنه ، وهذه القراءةُ قد تقدَّمَتْ في سورة الكهف ، وإنما أَعَدْتُ ذلك لزيادةِ هذه الفائدةِ.

  وحلوا  عطفٌ على » ويَطوف « ، عَطَفَ ماضياً لفظاً ، مستقبلاً معنىً ، وأَبْرَزه بلفظِ الماضي لتحقُّقه . وقال الزمخشري بعد سؤالٍ وجوابٍ مِنْ حيث  : » وما أحسنَ بالمِعْصَمِ أَنْ يكونَ فيه سِواران : سِوارٌ مِنْ ذهبٍ وسِوارٌ مِنْ فضةٍ « ، فناقَشَه الشيخ في قولِه » بالمِعْصم « فقال : » قولُه بالمِعْصم : إمَّا أَنْ يكونَ مفعولَ « أَحْسن » ، و « أَنْ يكونَ » بدلاً منه ، وأمَّا « أنْ يكونَ » مفعولَ أَحْسن وقد فُصِلَ بينهما بالجارِّ والمجرور : فإنْ كان الأولَ فلا يجوزُ؛ لأنَّه لم تُعْهَدْ زيادةُ الباءِ في مفعولِ أَفْعَلِ التعجبِ . لا تقول : ما أحسنَ بزيدٍ تريدُ : « ما أحسن زيداً » . وإن كان الثاني ففي مثلِ هذا الفصل خلافٌ ، والمنقولُ عن بعضهِم لا يجوزُ ، والمُوَلَّدُ مِنَّا ينبغي إذا تكلَّم أن يَتَحَرَّزَ في كلامِه ممَّا فيه خلافٌ « . قلت : وأيُّ غَرَضٍ له في تتبُّعٍ كلامِ هذا الرجل ، حتى في هذا الشيءِ اليسيرِ؟ على أنَّ الصحيحَ جوازُه ، وهو المسموعُ من العربِ نثراً . قال عمروُ ابن معديكرب : » للّه دَرُّ بني فلانٍ ما أشَدَّ في الهيجاءِ لقاءَها ، وأَثْبَتَ في المَكْرُمات بقاءَها ، وأحسنَ في اللَّزَبات عطاءَها « والتشاغلُ بغير هذا أَوْلى.

اهـ (الدُّرُّ المصُون).

وصل ، وجعله مُسمًّى بالفعل من البريق ، وهذا خطأ لأن الإستبرق معروف

معلوم أنه اسم نُقِل من العجمية إلى العربية كما سمي الديباج وهو منقول من

الفارسية.

* * *

قوله عزَّ وجلَّ : (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)

جاء في التفسير أنهم إذا شربوه ضمِرَت بُطُونُهم وَرَشَحَتْ جُلُودَهم عرقاً

كرائحة المسك ، وقيل إنه طهور ليس برجس كخمر الدنيا.

* * *

﴿ ٢١