١١

قوله عز اسمه: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } الآية: ١١

قال سهل: النعاس ينزل من الدماغ والقلب حي، والنوم يحل بالقلب من الظاهر

وهو حكم النوم، وحكم النعاس حكم الروح.

قال بعضهم: ألقى على الصحابة النعاس حتى غلبهم ذلك، فلم يبق منهم أحد إلا

وهو ناعس تحت حجفته، فلما أزال عنهم أوصافهم وبرأهم من حولهم وقوتهم أيدهم

بالأمن، ليعلموا أن النصر من عنده، وهو الذي يهزمهم لا هم وأنه الملقي في قلوبهم

الرعب، وأن الكل إليه وليس إليهم من الأمر شيء.

قوله تبارك وتعالى: { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } الآية: ١١

قال ابن عطاء: أنزل عليهم ماء طهر به ظواهر أبدانهم ودنسها، وأنزل عليهم رحمة

نور بها قلوبهم وشفا بها صدورهم عن وساوس العدو، وألبس بواطنهم لباس الطمأنينة

والصدق.

قال بعضهم: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، تنسيهم الاستغفار من تلك

الخطيئة.

قال بندار: الاستدراج هو أن يترك المستدرج مع ظاهر الرسوم مع غيبته عن

الحقائق والفهم الفائد.

قوله تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض }.

قال بعضهم: النظر في الملكوت يورث الاعتبار والنظر إلى المالك يسقط عنهم

الاشتغال بسواه.

قال سهل: أخبر اللّه عن قدرته على عباده ووصف حاجتهم إليه وما خلق من شيء

مما سمعوا به ولم يروه فاعتبروا به، ولو شاهدوا ذلك بقلوبهم لوصفوه مثل المعاينة،

آمنوا بالغيب فأداهم الإيمان إلى مشاهدة الغيب الذي غاب عنهم، وورثوا بذلك درجات

الأنوار فصاروا أعلاما للّهدى.

قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللّه }.

قال سهل: كيف يملك نفع غيره من لا يملك نفع نفسه.

قال أبو الحسين الوراق حاكيا عن أبي عثمان أنه قال: عجز الخلق عن إيصال نفع

إلى نفسه أو دفع ضرر عنها آجلا وعاجلا، فكيف يثق بإيمانه وكيف يعتمد على طاعاته؟

قال اللّه تعالى: (فلا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللّه } لأن النافع والضار هو

اللّه مكن الخلق من الأسباب وهو المسبب لجميع ذلك.

قوله تعالى: { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء }.

قال بعضهم: لو كنت أملك الغيب وأقدر عليه لما مسني السوء، ولكن طويت الغيوب

عنا وألزمت الملامة لنا.

قوله تعالى: { وجعل منها زوجها ليسكن إليها }.

قال بعضهم: خلقها ليسكن إليها فلما سكن إليها غفل عن مخاطبات الحقيقة لسكونه

إليها فوقع فيما وقع من تناول الشجرة.

قوله تعالى: { إن وليي اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين }.

قال بعضهم: لاحظ الأولياء بعين اللطف ولاحظ العباد بعين البر، ولاحظ الأنبياء

بعين التولي فقال: { إن وليي اللّه }.

وقيل في قوله: { وهو يتولى الصالحين } عن رعونة البشرية توليا، وأصلح الخواص

بصحة المقصود والإقرار بالإخلاص للمعبود، وأصلح العوام بصحة الأوقات.

وسئل جعفر عن الحكمة في قوله: وهو يتولى الصالحين ونحن نعلم أنه يتولى

العالمين، فقال التولية على وجهين: تولية إقامة وإبراء، وتولية عناية ورعاية لإقامة

الحق.

قال الواسطي رحمة اللّه عليه: يتولى الصالحين بالوقاية والرعاية، ويتولى الفاسقين

بالغواية.

قوله تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا }.

قيل: كيف يسمع الدعاء من أصمه الداعي عن المدعو إليه، ولا يسمع نداء الحق إلا

من أسمعه فبإسماعه يسمع لا باستماعه ولا بسمعه.

قوله تعالى: { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون }.

قيل: بأنفسهم ينظرون إليك، فلا يبصرون خصائص ما أودعناه فيك، وبركات ما

أجرينا في الخليقة بك، وكذا من نظر بنفسه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حجب

عن إدراك معانيه

حتى ينظر ببركة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بل هو أيضا قاصر النظر حتى تنظر إليه بالحق

ومن الحق،

إذ ذاك يتبين له شرف ما خص به.

قال بعضهم: النظر إلى السفير للأدنى والمبلغ للأعلى، والرسول المصطفى صلى اللّه عليه

وسلم نظر

عام، ولكن لا يبصره في النظر إليه، ولا يراه إلا الخواص، فمن أبصره أو رآه ظهرت

عليه بركات رؤيته بقدر ما كشف له عن رؤيته وفتح من بصره، ألا تراه يقول: ' طوبى

لمن رآني ' وقد رآه الكفار وشاهدوه، ولكن طوبى لمن رآه بالموضع الذي وضع ورزق

في مشاهدة عظيم حرماته، ولم يكتف بمشاهدة ظاهره بهذه الرؤية التي تظهر على الرأي

نتائج هذه البركات، التي لو فاضت واحدة منها على أهل الأرض لوسعتهم.

وقال سهل: هي القلوب التي لم يزينها اللّه بأنوار القربة، فهي عمي عن إدراك

الحقائق ورؤية الأكابر.

وقال القناد: تراهم ينظرون إليك قال: لا يفهمون ما ألقى إليهم، بل يسمعون

صفحا وهم عنه معرضون.

قوله تعالى: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }.

قال بعضهم: أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بمكارم الأخلاق ظاهرا وباطنا، والصفح عن

زلات

الخلائق، والأمر بمكارم الأخلاق، ويعرض عن الجاهلين أي: أعرض عن المعرضين عنا

فهم الجهال.

وروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل جبريل صلى اللّه عليه وسلم عن تفسير هذه الآية

فقال: ' تصل من قطعك

وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من أساء إليك '.

وروت عائشة الصديقة بنت الصديق رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر

بالعفو عن

أخلاق الرجال بقوله: { خذ العفو }.

وقال بعضهم: أقبل عليهم بظاهرك ولا تكن بباطنك إلا مقيدة علينا.

قال ابن عطاء: { خذ العفو } المشاهدة، وأمر بالعرف واستعن باللّه على ما نلت من

القرب، وأعرض عن الجاهلين، قال: هي النفس إذا طالعت شهواتها.

وقال بعضهم: مكارم الأخلاق كلها في قوله.

ماء اليقين إذا نزل على الأسرار أسقط عنها الاختلاج والشك، قال اللّه تعالى:

{ أنزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } من كل ما تدنستم به من أنواع المخالفات.

قوله تعالى: { وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام }.

قال بعضهم: ربط على قلوب أوليائه، لتلقى البلاء بأسلحة الصبر، وربط على

قلوب العارفين لثبات الأسرار في مشاهدة ما يبدو لهم من الغيوب.

قال بعضهم: القلوب ثلاثة: قلب مربوط بالأكوان، وقلب مربوط بالأسامى

والصفات وقلب مربوط بالحق.

﴿ ١١