٣١وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) ذكر الفعل المسند إلى «النسوة» لتذكير اسم الجمع ونِسْوَةٌ جمع قلة لا واحد له من لفظه، وجمع التكثير نساء، ونِسْوَةٌ فعلة، وهو أحد الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد، وقد نظمها القائل ببيت شعر: [البسيط] بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعا: امرأة خبازة، وامرأة ساقية، وامرأة بوابة، وامرأة سجانة. والْعَزِيزِ: الملك ومنه قول الشاعر: [الرمل] درة غاص عليها تاجر ... جلبت عند عزيز يوم طل و «الفتى» : الغلام، وعرفه في المملوك- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي» ، ولكنه قد يقال في غير المملوك، ومنه إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠] وأصل «الفتى» في اللغة الشاب، ولكن لما كان جل الخدمة شبابا استعير لهم اسم الفتى. وشَغَفَها معناه: بلغ حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو على أكثر القول غلاف من أغشية القلب، وقيل: «الشغاف» : سويداء القلب، وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب. وقرأ أبو رجاء والأعرج وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت وعوف ومجاهد وغيرهم: «قد شعفها» بالعين غير منقوطة، ولذلك وجهان: أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب، وذهب بها كل مذهب، فهو مأخوذ- على هذا- من شعف الجبال وهي رؤوسها وأعاليها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» . والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] أيقتلني وقد شعفت فؤادها ... كما شعف المهنوءة الرجل الطالي والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه، ومنه قول الأعشى: تعصي الوشاة وكان الحب آونة ... مما يزين للمشعوف ما صنعا وروي عن ثابت البناني وأبي رجاء أنهما قرآ: «قد شعفعما» بكسر العين غير منقوطة. قال أبو حاتم: المعروف فتح العين وهذا قد قرىء به. وقرأ ابن محيصن: قَدْ شَغَفَها أدغم الدال في الشين. وروي أن مقالة هؤلاء النسوة إنما قصدن بها المكر بامرأة العزيز ليغضبنها حتى تعرض عليهن يوسف ليبين عذرها أو يحق لومها. وقد قال ابن زيد الشغف في الحب والشغف في البغض، وقال الشعبي: الشغف والمشغوف بالغين منقوطة في الحب والشعف الجنون والمشعوف المجنون، وهذان القولان ضعيفان. وقوله تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ الآية، إنما سمي قولهن مكرا من حيث أظهرن إنكار منكر وقصدن إثارة غيظها عليهن، وقيل: مكرهن انهن أفشين ذلك عنها وقد كانت أطلعتهن على ذلك واستكتمتهن إياه، وهذا لا يكون مكرا إلا بأن يظهرن لها خلاف ذلك ويقصدن بالإفشاء أذاها. ومعنى أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أي ليحضرن، وأَعْتَدَتْ معناه: أعدت ويسرت، ومُتَّكَأً ما يتكأ عليه من فرش ووسائد، وعبر بذلك عن مجلس أعد لكرامة، ومعلوم أن هذا النوع من الكرامات لا يخلو من الطعام والشراب، فلذلك فسر مجاهد وعكرمة «المتكأ» بالطعام قال ابن عباس: مُتَّكَأً معناه مجلسا، ذكره الزهراوي. وقال القتبي: يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا. وقوله: وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً يقتضي أنه كان في جملة الطعام ما يقطع بالسكاكين، فقيل كان لحما، وكانوا لا ينتهسون اللحم وإنما كانوا يأكلونه حزا بالسكاكين وقيل: كان أترجا، وقيل: كان زماورد، وهو من نحو الأترج موجود في تلك البلاد، وقيل: هو مصنوع من سكر ولوز وأخلاط. وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب «تكا» بضم الميم وتنوين الكاف. واختلف في معناه، فقيل: هو الأترنج، وقيل: هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من الفواكه كالأترنج والتفاح وغيره، وأنشد الطبري: نشرب الإثم بالصواع جهارا ... وترى المتك بيننا مستعارا وقرأ الجمهور: «متّكا» بشد التاء المفتوحة والهمز والقصر، وقرأ الزهري: «متّكا» مشدد التاء من غير همز- وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وقرأ الحسن «متكاء» بالمد على إشباع الحركة. و «السكين» تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء، ولم يعرف الأصمعي إلا التذكير. وقولها: اخْرُجْ أمر ليوسف، وأطاعها بحسب الملك، وقال مكي والمهدوي: قيل: إن في الآية تقديما وتأخيرا في القصص، وذلك أن قصة النسوة كانت قبل فضيحتها في القميص للسيد، وباشتهار الأمر للسيد انقطع ما بينها وبين يوسف. قال القاضي أبو محمد: وهذا محتمل إلا أنه لا يلزم من ألفاظ الآية، بل يحتمل أن كانت قصة النساء بعد قصة القميص وذلك أن العزيز كان قليل الغيرة بل قومه أجمعين، ألا ترى أن الإنكار في وقت القميص إنما كان بأن قيل: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: ٢٨] وهذا يدل على قلة الغيرة، ثم سكن الأمر بأن قال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا [يوسف: ٢٩] وأنت اسْتَغْفِرِي [يوسف: ٢٩] وهي لم تبق حينئذ إلا على إنكارها وإظهار الصحة، فلذلك تغوفل عنها بعد ذلك، لأن دليل القميص لم يكن قاطعا وإنما كان أمارة ما هذا إن لم يكن المتكلم طفلا. وقوله: أَكْبَرْنَهُ معناه: أعظمنه واستهولن جماله، هذا قول الجمهور، وقال عبد الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده: معناه: حضن، وأنشد بعض الناس حجة لهذا التأويل: [البسيط] يأتي النساء على أطهارهنّ ولا ... يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف من معناه منكور، والبيت مصنوع مختلف- كذلك قال الطبري وغيره من المحققين، وليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه الله. وقوله: وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي كثرن الحز فيها بالسكاكين، وقال عكرمة: «الأيدي» هنا الأكمام، وقال مجاهد هي الجوارح، وقطعنها حتى ألقينها. قال القاضي أبو محمد: فظاهر هذا أنه بانت الأيدي، وذلك ضعيف من معناه، وذلك أن قطع العظم لا يكون إلا بشدة، ومحال أن يسهو أحد عنها، والقطع على المفصل لا يتهيأ إلا بتلطف لا بد أن يقصد، والذي يشبه أنهن حملن على أيديهن الحمل الذي كن يحملنه قبل المتك فكان ذلك حزا، وهذا قول الجماعة. وضوعفت الطاء في قَطَّعْنَ لكثرتهن وكثرة الحز فربما كان مرارا. وقرأ أبو عمرو وحده «حاشى الله» وقرأ أبيّ وابن مسعود «حاشى الله» ، وقرأ سائر السبعة «حاش لله» ، وفرقة «حشى لله» وهي لغة، وقرأ الحسن «حاش لله» بسكون الشين وهي ضعيفة وقرأ الحسن- أيضا- «حاش الإلاه» محذوفا من «حاشى» . فأما «حاش» فهي حيث جرت حرف معناه الاستثناء، كذا قال سيبويه، وقد ينصب به، تقول: حاشى زيد وحاشى زيدا، قال المبرد: النصب أولى إذ قد صح أنها فعل بقولهم: حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه. قال القاضي أبو محمد: يظهر من مجموع كلام سيبويه والمبرد أن الحرف يخفض به لا غير، وأن الفعل هو الذي ينصب به، فهذه اللفظة تستعمل فعلا وحرفا، وهي في بعض المواضع فعل وزنه فاعل، وذلك في قراءة من قرأ «حاشى لله» معناه مأخوذ من معنى الحرف، وهو إزالة الشيء عن معنى مقرون به، وهذا الفعل مأخوذ من الحشا أي هذا في حشى وهذا في حشى، ومن ذلك قول الشاعر: [المعطل الهذلي] . يقول الذي يمسي إلى الحرز أهله ... بأي الحشى صار الخليط المباين ومنه الحاشية كأنها مباينة لسائر ما هي له، ومن المواضع التي حاشى فيه فعل هذه الآية، يدل على ذلك دخولها على حرف الجر، والحروف لا تدخل بعضها على بعض، ويدل على ذلك حذف الياء منها في قراءة الباقين «حاش» على نحو حذفهم من لا أبال ولا أدر ولو تر، ولا يجوز الحذف من الحروف إلا إذا كان فيها تضعيف مثل: لعل، فيحذف، ويرجع عل، ويعترض في هذا الشرط بمنذ وفد حذف دون تضعيف فتأمله. قال القاضي أبو محمد: ومن ذلك في حديث خالد يوم مؤتة: فحاشى بالناس، فمعنى «حاشى لله» أي حاش يوسف لطاعة الله أو لمكان من الله أو لترفيع الله له أن يرمي بما رميته به، أو يدعى إله مثله لأن تلك أفعال البشر، وهو ليس منهم إنما هو ملك- هكذا رتب أبو علي- الفارسي معنى هذا الكلام، على هاتين القراءتين اللتين في السبع- وأما قراءة أبي بن كعب وابن مسعود، فعلى أن «حاشى» حرف استثناء- كما قال الشاعر [ابن عطية] : [الكامل] حاشى أبي ثوبان إنّ به ... ضنّا عن الملحاة والشتم وتسكين الشين في إحدى قراءتي الحسن، ضعيف، جمع بين ساكنين، وقراءته الثانية محذوفة الألف من «حاشى» . قال القاضي أبو محمد: والتشبيه بالملك هو من قبيل التشبيه بالمستعظمات وإن كانت لا ترى. وقرأ أبو الحويرث الحنفي والحسن «ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم» بكسر اللام في «ملك» ، وعلى هذه القراءة فالكلام فصيح لما استعظمن حسن صورته قلن: ما هذا إلا مما يصلح أن يكون عبد بشراء، إن هذا مما يصلح أن يكون ملكا كريما. ونصب «البشر» من قوله: ما هذا بَشَراً هو على لغة الحجاز شبهت ما بليس، وأما تميم فترفع، ولم يقرأ به. وروي أن يوسف عليه السلام أعطي ثلث الحسن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أعطي نصف الحسن، ففي بعض الأسانيد هو وأمه، وفي بعضها هو وسارة جدة أبيه. قال القاضي أبو محمد: وهذا على جهة التمثيل، أي لو كان الحسن مما يقسم لكان حسن يوسف يقع في نصفه، فالقصد أن يقع في نفس السامع عظم حسنه على نحو التشبيه برؤوس الشياطين وأنياب الأغوال. قوله عز وجل: |
﴿ ٣١ ﴾