|
٢٣ أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ هذه هي منقطعة لا معادلة، وهي بتقدير بل وألف الاستفهام. والشركاء في هذه الآية: يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في لَهُمْ للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك هاهنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد ب «الشركاء» : الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير: في: شَرَعُوا لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير في: لَهُمْ للأصنام الشركاء، أي شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله، و: شَرَعُوا معناه: أثبتوا ونهجوا ورسموا. والدِّينِ هنا العوائد والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك أيضا المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعا، فأما في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في هذه الآية الأمر. وكَلِمَةُ الْفَصْلِ: هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة والقضاء بينهم: هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم. وقرأ جمهور الناس: «وإن الظالمين» بكسر الهمزة على القطع والاستئناف. وقرأ مسلم بن جندب «وأن الظالمين» بفتح الهمزة، وهي في موضع رفع عطف على: كَلِمَةُ المعنى: وأن الظالمين لهم في الآخرة عذاب. وقوله: تَرَى الظَّالِمِينَ هي رؤية بصر، والظَّالِمِينَ مفعول، و: مُشْفِقِينَ حال وليس لهم في هذا الإشفاق مدح، لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم ووقع، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة كما تقدم. وقوله تعالى: وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ جملة في موضع الحال. والروضات: المواضع المؤنفة النظرة، وهي مرتفعة في الأغلب من الاستعمال، وهي الممدوحة عند العرب وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [البقرة: ٢٦٥] ومن ذلك تفضيلهم روضات الحزن لجودة هوائها. قال الطبري: ولا تقول العرب لموضع الأشجار رياض. وقوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] . وقرأ جمهور الناس: «يبشّرهم» بضم الياء وفتح الباء وشد الشين المكسورة، وذلك على التعدية بالتضعيف. وقرأ مجاهد وحميد: «يبشر» بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين على التعدية بالهمزة. قرأ ابن مسعود وابن يعمر وابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة: «يبشر» بفتح الياء وضم الشين، ورويت عن ابن كثير. وقال الجحدري في تفسيرها: ترى النضرة في الوجوه. وقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اختلف الناس في معناه، فقال له ابن عباس وغيره: هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله إلا أن تودوني لقرابة هي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم. قال ابن عباس وابن إسحاق وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه نسب أو صهر، فالآية على هذا هي استعطاف ما، ودفع أذى وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي لا أسألكم غرامة ولا شيئا إلا أن تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم. وقال مجاهد: المعنى إلا أن تصلوا رحمي باتباعي. وقال ابن عباس أيضا ما يقتضي أنها مدنية، وسببها أن قوما من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش، فنزلت الآية في ذلك على معنى إلا أن تودوني فتراعوننى في قرابتي وتحفظونني فيهم، وقال بهذا المعنى في الآية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيرا، وهو تأويل ابن جبير وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس، قيل يا رسول الله، من قرابتك الذين أمرنا بمودتهم؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما، وقيل هو ولد عبد المطلب. قال القاضي أبو محمد: وقريش كلها عندي قربى وإن كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ومن مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة» وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: سبب هذه الآية أن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالا وساقته إليه فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضا، معنى الآية: من قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى: كأنه قال: إلا أن تودني، لأني أقربكم من الله، وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: إلا أن يتوددوا إلى الله بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم في كتاب الطبري معنى الآية: إلا أن تتوددوا بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم، فالآية على هذا أمر بصلة الرحم. وذكر النقاش عن ابن عباس ومقاتل والكلبي والسدي أن الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة سبأ قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ: ٤٧] والصواب أنها محكمة، وعلى كل قول فالاستثناء منقطع، و: إِلَّا بمعنى: لكن. و: يَقْتَرِفْ معناه يكتسب، ورجل قرفة: إذا كان محتالا كسوبا. وقرأت فرقة «يزد» على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ جمهور الناس: «نزد» على نون العظمة، وزيادة الحسن هو التضعيف الذي وعد الله تعالى به مؤمني عباده، قاله الحسن بن أبي الحسن. و: غَفُورٌ معناه: ساتر عيوب عبيده. و: شَكُورٌ معناه: مجاز على الدقيقة من الخير لا يضيع عنده لعامل عمل. قوله عز وجل: |
﴿ ٢٣ ﴾