٢٣

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣)

يَوْمَ الْفَصْلِ هو يوم القيامة، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق والباطل. و «الميقات» مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد، وقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ بدل من اليوم الأول، و «الصور» : القرن الذي ينفخ فيه لبعث الناس. هذا قول الجمهور، ويحتمل هذا الموضع أن يكون «الصور» فيه جمع صورة أي يوم يرد الله فيه الأرواح إلى الأبدان، هذا قول بعضهم في الصُّورِ وجوزه أبو حاتم، والأول أشهر وبه تظاهرت الآثار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى [الزمر: ٦٨] .

وقرأ أبو عياض «في الصور» بفتح الواو، و «الأفواج» : الجماعات يتلو بعضها بعضا، واحدها فوج، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة والحسن: «وفتّحت» ، بشد التاء على المبالغة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «وفتحت» دون شد. وقوله تعالى: فَكانَتْ أَبْواباً قيل معناه: تتفطر وتتشقق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدارات، وقال آخرون فيما حكى مكي بن أبي طالب: الأبواب هنا فلق الخشب التي تجعل أبوابا لفتوح الجدارات أي تتقطع السماء قطعا صغارا حتى تكون كألواح الأبواب.

والقول الأول أحسن، وقال بعض أهل العلم: تتفتح في السماء أبواب للملائكة من حيث يصعدون وينزلون. وقوله تعالى: فَكانَتْ سَراباً عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منبثا، ولم يرد أن الجبال تعود تشبه الماء على بعد من الناظر إليها، ومِرْصاداً: موضع الرصد، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] ، وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: «لا يدخل أحد الجنة حتى يجوز على جهنم، فمن كانت عنده أسباب نجاة نجا وإلا هلك» . وقال قتادة: تعلمن أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وفي الحديث الصحيح: «إن الصراط جسر ينصب على متن جهنم ثم يجوز عليه الناس فناج ومكردس» ، وقال بعض المتأولين: مِرْصاداً مفعال بمعنى راصد، وقرأ أبو معمر المنقري: «أن جهنم» بفتح الألف والجمهور: على كسرها، و «الطاغون» : الكافرون، و «المآب» : المرجع، و «الأحقاب» : جمع حقب بفتح القاف، وحقب: بكسر الحاء، وحقب: بضم القاف، وهو جمع حقبة ومنه قول متمم: [الطويل]

وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن تصدعا

وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، ويقال للسنة أيضا حقبة، وقال بشر بن كعب: حدها على ما ورد في الكتب المنزلة ثلاثمائة سنة، وقال هلال الهجري: ثمانون سنة قالا في كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم من ألف سنة. وقال ابن عباس وابن عمر: الحقب ستون ألف سنة، وقال الحسن:

الحقب سبعون ألف سنة، وقيل: خمسون ألف سنة، وقال أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ثلاثون ألف سنة وكثر الناس في هذا اللازم أن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون أَحْقاباً كلما مر حقب جاء غيره إلى ما لا نهاية، قال الحسن: ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ومن الناس من ظن لذكر الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان: الحقب سبعة عشر ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [النبأ: ٣٠] ، وقد ذكرنا فساد هذا القول، وقال آخرون الموصوفون باللبث أَحْقاباً عصاة المؤمنين، وهذا أيضا ضعيف ما بعده في السورة يدل عليه، وقال آخرون: إنما المعنى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً غير ذائقين بردا ولا شرابا، فهذه الحال يلبثون أحقابا ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم، وقرأ الجمهور «لابثين» ، وقرأ حمزة وحده وابن مسعود وعلقمة وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وابن جبير: «لبثن» جمع لبث، وهي قراءة معترضة لأن فعلا إنما يكون فيما صار خلقا كحذر وفرق، وقد جاء شاذا فيما ليس بخلق وأنشد الطبري وغيره في ذلك بيت لبيد: [الكامل]

أو مسحل عمل عضادة سمحج ... بسراته ندب له وكلوم

قال المعترض في القراءة: لا حجة في هذا البيت لأن عملا قد صار كالخلق الذي واظب على العمل به حتى أنه ليسمى به في وقت لا يعمل فيه كما تقول كاتب لمن كانت له صناعة وإن لم يكتب أكثر أحيانه، قال المحتج لها: شبه لبث بدوامه بالخلق لما صار اللبث من شأنه.

قوله عز وجل:

﴿ ٢٣